108 كان-رضي اللّه عنه-متورعا زاهدا، عاملا للآخرة راغبا فيها عن الدنيا، معرضا عما عليه أهل الوقت من متاع الدنيا، قاليا مبغضا لها مقبلا على الآخرة و عملها بكليته، مستغرقا جل أوقاته في التعليم و إرشاد الطلبة. فكان يجلس إذا صلى الصبح لإقراء الحديث النبوي لقرب الطلوع، ثم يقوم لبيته و للأوراد، ثم يجلس في الضحوة لإقراءمختصر خليل، ثم بين الظهرين له أيضا، ثم بعد العصر لإقراء حديث و غيره، ثم بين العشاءين لإقراءرسالة ابن أبي زيدأوالعشماويةوالعزية، فكل من رأينا من طلبة المالكية هناك إنما أخذوا عنه هذه الكتب الثلاثة: الرسالةو ما بعدها، و ما رأينا أحدا قط يقرئها و يعتني بها غيره.
و كان-رضي اللّه عنه-رتب كتبا/يختمها كل عام: مختصر خليل، والرسالة، والعزية، والعشماوية، والجامع الصغيرللسيوطي، وأحاديث الصحيحلابن أبي جمرة [و كتبا] من الوسائل: ألفية ابن مالك، وتلخيص المفتاح، وجمع الجوامعللسبكي 1.
و هذا دأبه نيفا و ثلاثين سنة، لا يأتي أهله بالإسكندرية إلا بعد ختمها كلها في عام، ثم يأتيهم و يمكث [عندهم] ثلاثة أشهر، و لا يترك القراءة و التدريس حيث هو. و قد أخبرنا لما رجع أنه سرد في الثلاثة أشهرالجامع الكبيرللسيوطي، فندمنا في تخلفنا عن صحبته.
و كان-رضي اللّه عنه-خشوعا بكّاء، سريع الدمعة، يغلب ذلك عليه حتى في مجلس الإقراء، كثير التفكر، عظيم المحبة في النبي صلى اللّه عليه و سلم، مولعا بأحواله صلى اللّه عليه و سلم، معتنيا بسنته و سيرته، عارفا لأحوال الصالحين و العلماء العارفين، كثيرا ما يذكرهم في المجلس، و ينبسط لكراماتهم، و يقول: فلان لم يقع منذ كذا في مكروه فضلا عن المحرم.
و كان-رضي اللّه عنه-كثير الرؤيا للنبي صلى اللّه عليه و سلم، و يحكي لنا في المجلس بعض ما يرى و يقول: عليكم بعلوم الشرع: الفقه و الحديث و التفسير. قال: و كنت جاورت بالحرمين الشريفين نحو خمس سنين مع أبي للتنسك و التدريس، فما رأيت أحدا يسأل عن مسائل البيان و لا عن المنطق، و إنما سؤالهم عن الفقه و السنة، فالعاقل يعطي كليته و همته لعلوم الشرع، و لا يغتر بشقشقة الألسن في مجالس المنطق و البيان. و يقول: كونوا فقهاء فإن مذهبهم سهل سمح، و لا تكونوا متصوفة فإن مذهبهم صعب لا يطاق.
م، خ: و كتابا.
ساقط من م، ع، ن.
1) جمع الجوامع في أصول الفقه، اشتهر لدى المغاربة و المشارقة، طبع بمصر سنة 1310 ه/ 1893 م.