إن الهدف الأسمى والأعلى للتربية الجادة هو إعداد النشء والرقي به لتحقيق الغاية الأساس من خلقه، ألا وهي عبودية الله سبحانه وتعالى والخلافة في الأرض، والعبودية معنى واسع يظلل برواقه جوانب الحياة المختلفة والمتعددة، وهي مراتب ومنازل متفاوتة، فكل جهد يقوم به المسلم في هذه الحياة من شعيرة من شعائر التعبد، أو تعلم علم أو تعليمه أو دعوة أو نفع للناس أو خدمة للأمة، إنما هو داخل هذه الدائرة، فهي كما قال شيخ الإسلام:«اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة».
إن العبودية لله تتضمن فعل أوامر قد تكون شاقة على النفس، وترك نواه قد تميل إليها النفس وتشتهيها، وكل ذلك يعسر القيام به على غير الجادين.
إذاً فالتربية الجادة تهيئ المسلم ليقوم بهذا العمل وهذه المهمة وليحقق الغاية التي من أجلها خلق وأوجد في هذه الحياة، وما يأتي بعد هذه الثمرة فلا يزيد على أن يكون فرعاً لهذه الثمرة الأساس.
2 - العمل المستمر المثمر:
قد تجد كثيراً ممن يملك الاستعداد أن يعمل أعمالاً مثمرة ومضنية، لكنها جهود متقطعة، أما من يستمر على العمل ويدعو من خلال برنامج واضح المعالم والخطا فهم قليلٌ جداً، إن المتربي تربية جادة يدرك أن الدعوة قضية مصيرية، ويدرك أنها تستحق منه أن يرسم حياته على ضوئها، وأن تكون له خطا واضحة بعيدة، أما الأول فقد تدفعه حماسة فائرة أو انطلاقة لنفسه يوشك أن تخبو بعد ذلك وتزول.
وإن ضخامة الدور واتساع نطاقه الزمني يتطلب عدداً من أولئك الذين يديمون العمل، ويدركون أن أحبه إلى الله أدومه وإن قلَّ.
وتستطيع من خلال خطبة أو محاضرة أو درس أن تؤجج عاطفة جمع غفير فيعملون أعمالاً وينتجون نتاجاً هائلاً، لكن أن تنتج واحداً يعمل على الدوام وعلى كافة الأحوال، فلا أظنك تملك بديلاً غير التربية الجادة.