فيها خاصة لكثرة استعمالهم للبعيد بحصول مد الصوت فيها واستعمالهم إياها للقريب على طريق التوكيد والحرص على البيان.
واعلم أن حروف النداء قد تحذف إذا كان المنادى منك قريبا كقولك: زيد أقبل، وغلام عمرو تعال، فهذا مطرد في جميع الأسماء إلا النكرة والمبهم فإنه لا يجوز إسقاط حرف النداء منهما؛ لأن المبهم هو من نعت (أي) لأنك تقول: يا هذا أقبل، الأصل فيه: أي هذا، فيصير هذا نعتا ل (أي) كالألف واللام، فلو قلت: هذا أقبل لأجحفت بالاسم إذا حذفت الموصوف وحذفت النداء لا يجوز أن تقول: رجل أقبل، مما يكون نعتا لأي والأصل: يا أيها الرجل فلو أسقطت (يا) منه لكنت قد أجحفت به لحذف الموصوف وحرف النداء وقد كثر حذف حرف النداء في القرآن كقوله تعالى: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ... ) [يوسف: 12/ 29] (1) و (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا ... ) [آل عمران: 3/ 8] (2) ويجوز أن يكون الحذف كثيرا في القرآن؛ لأن الله تعالى قريب ممن يدعوه فلهذا حذف حرف النداء.
فأما:
يا تيم تيم عدي (3) ... ... ...
(1) والآية (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ.)
(2) والآية (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ.)
(3) البيت لجرير وهو من البحر البسيط وتمامه:
يا تيم تيم عديّ لا أبا لكم ... لا يوقعنّكم في سوءة عمر
وهو في ديوانه 285، وفي الكتاب 1/ 53 ـ 2/ 205 (هارون) وورد عند سيبويه يا تيم تيم بالنصب، وهو أيضا في الكامل 3/ 1140، وفي المقتضب 4/ 229، والأجود عند المبرد: يا تيم تيم عدي، وفي اللامات 101، وفي شرح أبيات سيبويه للنحاس 220، ورأى فيه حجة لنصب (تيم) الأول فالشاعر يريد فيه: يا تيم عدي يا تيم عدي ... ، وهو في شرح أبيات سيبويه للسيرافي 1/ 142، وفي الخصائص 1/ 345، وفي أمالي ابن الشجري 2/ 307، وفي شرح المفصل 2/ 10 وهو عنده بالنصب والضم، والمساعد 2/ 519، وفي شرح الكافية 121، وفي ارتشاف الضرب 3/ 135، والمغني 596، وشرح ابن عقيل 3/ 248، وشرح شواهد المغني للسيوطي 2/ 855، والهمع 5/ 196، والخزانة 2/ 298.