وكان يأتي به أحد أولاده .. يدفعه على عربة .. كان شيخاً كبيراً عاجزاً عن المشي ..
فقدته ليلة من الليالي .. فقلت لعل برودة الجو والأمطار حالت بينه وبين الصلاة في المسجد ..
فمرت الليلة الثانية .. والثالثة وهو لم يأتِ ..
سألت ولده عنه .. فأخبرني أنه أصيب بوعكة صحية .. وهو منوّم في المستشفى منذ ثلاثة أيام ..
اتفقت مع بعض المصلين أن نزوره عصر الغد ..
ذهبنا إلى المستشفى .. دخلنا .. كان مظهرنا ملفتاً للنظر ..
أنا ألبس ثوباً .. وأخر يلبس قميصاً طويلاً .. وثالث يلبس بنطالاً ..
سألتنا إحدى الممرضات .. هل أنتم جميعاً أولاده؟ قلنا: لا ..
قالت: إذن أنتم جمعية خيرية .. قلنا: لا ..
قالت: إذن من أنتم؟ ولماذا جئتم جميعاً إليه؟ ومن دفع لكم تكاليف المواصلات؟
لم أستغرب تعجبها .. فهي تعودت أن يمكث الشيخ الكبير في المستشفى الشهرين والثلاثة .. ولا يزوره أحد .. بل قد يموت ويتولى المستشفى تكفينه ودفنه .. وأولاده لا يسألون عنه ..
أفهمناها أننا مسلمون .. وأنه أخ لنا في الإسلام ..
مضينا إلى غرفة صاحبنا .. وبقي أحد الإخوة معها يحدثها عن الإسلام ..
دخلنا على أبي عماد .. كان شيخاً كبيراً .. آثار المرض عليه بادية ..
قبلت رأسه .. فبكى .. قلت له كيف حالك ..
قال: الحمد لله .. لا أستطيع الصوم لكني أقرأ القرآن وأذكر الله قدر استطاعتي ..
ومضى الشيخ يتحدث بصوت يقطعه البكاء عن شوقه إلى المسجد .. وصلاة التراويح .. والإخوة يصبرونه ..