يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين ، يا طلحة، تطلبني بدم عثمان؟ فلعن الله قتلة عثمان، يا طلحة، جئت بعرس رسول الله تقاتل بها وخبأت عرسك، أما بايعتني؟ قال: بايعتك والسيف على عنقي.
ثم قال للزبير مثل ما قاله لطلحة، فأراد الزبير ترك الحرب، فقال له ابنه عبد الله: جمعت بين هذين العسكرين حتى إذا اشتبكت النصال أردت أن تتركهم وتذهب، ولكنك خشيت رايات ابن أبي طالب، وعلمت أنها تحملها فتية أنجاد، وأن تحتها الموت الأحمر، فجبنت، فأحفظه ذلك، وقال: إني حلفت ألا أقاتله، فقال له ابنه عبد الله: كفر عن يمينك وقاتله، فدخل في المعركة، ثم رأى أن يتركها ويتوجه إلى وادي السباع قاصدا المدينة، فلما وقف يصلي طعنه من خلفه عمرو بن جرموز فقتله، وأخذ فرسه وخاتمه وسلاحه، ثم قدم على علي فأخبره بقتل الزبير، فتناول الإمام سيف الزبير وهزه وقال: «سيف طالما كشف الله به الكرب عن رسول الله، وما كان ابن صفية جبانا ولا لئيما، ولكن الحين ومصارع السوء.»
ثم اشتد وطيس القتال بين الجانبين، فنزل علي إلى الساحة وهو يتلو قوله تعالى:
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ، اللهم أفرغ علينا الصبر، ثم رفع مصحفا بيده وقال: من يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إلى ما فيه ولهم الجنة؟ فقال غلام اسمه مسلم بن عبد الله فقال: أنا يا خليفة رسول الله، ثم تناول المصحف وزحف على القوم فقتلوه، فقال علي: الآن حل قتالهم، واقتتل الناس، وركبت عائشة الجمل، وألبسوا هودجها البسط وجلود النمر، وفوق ذلك دروع الحديد، وخطبت الناس عائشة فقالت: «أما بعد فإنا كنا نقمنا على عثمان ضرب السوط وإمرة الفتيان، ألا وإنكم استعتبتموه فأعتبكم، ثم عدوتم عليه فارتكبتم منه دما حراما، وايم الله إنه كان أحصنكم فرجا وأتقاكم لله.»
ثم اقتتلوا حتى قتل طلحة وهو يقول: اللهم خذ لعثمان حتى ترضى، وحرضت عائشة الناس ، كما حرض علي جماعته، واحتدم القتال وتلاحم الناس، وأخذت عائشة لفا من حصى ورمت به وجوه أصحاب الإمام وصاحت بقولها: شاهت الوجوه، كما صنع رسول الله يوم حنين، فقال لها قائل:
وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ، ثم تقدم أصحاب علي إلى جمل عائشة وأصحابها يحيطون بها ويتساقطون صرعى دون الوصول إليها حتى قتل على الخطام أربعون رجلا، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، وحمل أصحاب علي حتى أداروا الجمل كما تدور الرحى، وصاح الإمام: ارشقوا الجمل بالنبل، فرشق حتى لم يبق فيه موضع إلا أصابه النبل، ثم تقدم محمد بن أبي بكر وعمار بن ياسر، فقطعا أنساع الهودج واحتملاه، فلما وضعاه أدخل محمد يده، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك محمد، فقالت: بل مذمم، قال: يا أخية، هل أصابك شيء؟ قالت: ما أنت وذاك، ثم أمر الإمام بعقر الجمل، وأمر بحمل الهودج من بين القتلى، وطلب من محمد بن أبي بكر أن يضرب على أخته قبة، ثم أدخلها البصرة فأنزلها دار عبد الله بن خلف الخزاعي، وكان الإمام يتمثل في ذلك اليوم قائلا:
إليك أشكو عجري وبجري
ومعشرا أعشوا على بصري
قتلت منهم مضري بمضري
شفيت نفسي وقتلت معشري
ثم إنه أمر بأن ينادى: لا تتبعوا مدبرا، ولا تجهزوا على أسير أو جريح، ولا تدخلوا الدور، ولا ترزءوا سلاحا، ولا ثيابا ولا متاعا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ثم صلى علي على القتلى من أهل البصرة والكوفة وأمر بدفنهم، وكان عدد القتلى كبيرا تجاوز الخمسة آلاف، ثم كتب إلى أهل الكوفة بالفتح كتابا يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى أهل الكوفة، أما بعد: فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، إن الله حكم عدل، لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دون الله من وال، أخبركم عنا وعمن سرنا إليه من جموع أهل البصرة، ومن تأشب إليهم من قريش وغيرهم مع طلحة والزبير ونكثهم صفقة أيمانهم، فنهضت من المدينة حتى انتهى إلي خبر من سار إليها وما فعلوا بعاملي عثمان بن حنيف حتى قدمت «ذا قار»، فبعثت الحسن بن علي وعمار بن ياسر، فاستنفرتكم بحق الله وحق رسوله وحقي، فأقبل إلي إخوانكم سراعا، فسرت بهم حتى نزلت ظهر «البصرة» فأعذرت بالدعاء وقمت بالحجة وأقلت العثرة والذلة من أهل الردة من قريش وغيرهم، فاستتبتهم فأبوا إلا قتالي وقتال من معي والتمادي في الغي، فناهضتهم بالجهاد، وقتل طلحة والزبير، وخذلوا وأدبروا وتقطعت بهم الأسباب، فلما رأوا ما حل بهم سألوني العفو عنهم، فقبلت، واستعملت على البصرة عبد الله بن العباس وأنا سائر إليكم، وقد بعثت «زحر بن قيس الجعفي» لتسألوه فيخبركم عنا وعنهم، والسلام.»