وفي الصباح نشب القتال من جديد، وكثر القتل في أصحاب ابن حنيف، وكثر الجرح في الفريقين وعضتهم الحرب، وكتب طلحة والزبير إلى أهل الشام كتابا يخبرانهم فيه بذلك ويحثانهم على النهوض، ومما جاء فيه قولهما: «إنا خرجنا لوضع الحرب وإقامة كتاب الله، فبايعنا خيار أهل البصرة وخالفنا أشرارهم قائلين: نأخذ أم المؤمنين رهينة أن أمرتهم بالحرب وحثتهم عليه، وإننا يا أهل الشام نناشدكم الله في أنفسكم إلا نهضتم بمثل ما نهضنا به.»
وكتبوا مثل ذلك إلى أهل الكوفة واليمامة والمدينة، وكتبت السيدة عائشة إلى أهل الكوفة تخبرهم بحقيقة الأمر، وتأمرهم أن يثبطوا الناس عن الإمام علي، وتحثهم على طلب قتلة عثمان، ومما جاء في كتابها قولها: «قدمنا البصرة، فدعونا إلى إقامة كتاب الله، فأجابنا الصالحون واستقبلنا من لا خير فيه بالسلاح، وعزم عليهم عثمان بن حنيف إلا قاتلوني حتى منعني الله بالصالحين، واحتجوا بأشياء فاصطلحنا عليها، فخانوا وغدروا، وكان ذلك الدأب ستة وعشرين يوما ندعوهم إلى الحق ويدعوننا إلى الباطل، وغدروا وخانوا، فغادروني في الغلس ليقتلوني، فلم يبرحوا حتى بلغوا سدة بيتي، فوجدوا نفرا على الباب، فدارت عليهم الرحى.»
أما الإمام علي فإنه سار حتى بلغ «ذا قار» وأتاه عثمان بن حنيف في جمع كبير من أهل البصرة، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارا والأشتر النخعي إلى الكوفة يدعون أهلها لنصرة الإمام، فأحضروا جمعا كبيرا منهم، ورحب به قائلا: يا أهل الكوفة، أنتم قاتلتم ملوك العجم وفضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم، فمنعتم حوزتكم وأعنتم الناس على عدوهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريد، وإن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بالظلم، ولم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على الفساد إن شاء الله.
وسار علي من ذي قار حتى نزل على عبد القيس، فانضموا إليه، ثم سار حتى نزل «الزاوية» يريد البصرة، وسار طلحة والزبير وعائشة، والتقى الجمعان عند مكان قصر عبيد الله بن زياد، فلما نزل الناس أقاموا ثلاثة أيام لم يكن فيها قتال، وكان الإمام يرسل إلى جماعة عائشة يكلمهم ويدعوهم، حتى كان يوم الخميس منتصف جمادى الآخرة سنة 36، فوقعت الواقعة، وكان عسكر عائشة ثلاثين ألفا، وعسكر علي عشرين ألفا، ومما خطب به علي صحبه قوله: «عباد الله، انهدوا إلى هؤلاء القوم منشرحة صدوركم لقتالهم، فإنهم نكثوا بيعتي، وأخرجوا ابن حنيف عاملي بعد الضرب المبرح والعقوبة الشديدة، وقتلوا حكيم بن جبلة العبدي، وقتلوا رجالا صالحين، ثم تتبعوا منهم من يحبني يأخذونهم في كل حائط وتحت كل رابية، ثم يأتون بهم فيضربون رقابهم صبرا، ما لهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، انهدوا إليهم وكونوا أشداء عليهم، وقد وطنتم أنفسكم على الطعن والضرب ومبارزة الأقران، وأي امرئ منكم أحس من نفسه رباطة جأش عند اللقاء، ورأى من أحد إخوانه فشلا، فليذب عن أخيه الذي فضل عليه كما يذب عن نفسه، ولا تقاتلوا القوم حتى يبدءوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وكفكم عنهم حتى يبدءوكم حجة أخرى، فإذا قاتلوكم فلا تجهزوا على جريح، وإذا هزمتموهم فلا تتبعوا مدبرا، ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا، ولا تدخلوا دارا، ولا تأخذوا من أموالهم شيئا، ولا تهيجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف العقول والأنفس، لقد كنا نؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة بالهراوة والعصا والجريدة فيعير بها هو وعقبه من بعده.»
تراءى الجمعان، فرأى علي طلحة والزبير وقال لهما: «لقد أعددتما سلاحا وخيلا ورجالا، إن كنتما أعددتما عند الله عذرا فاتقيا الله سبحانه، ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، ألم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي وأحرم دماءكما؟ فهل حدث ما أحل لكما دمي؟» فقال طلحة: ألبت الناس على عثمان، فقال علي: