تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تنظيمه أمور بيت المال وحرصه عليه، وترتيبه أمور التجارة في المدينة وأسواقها ترتيبا جعل المدينة في عهده عاصمة الدولة تجاريا لا سياسيا فقط، وبهذا تنتقض أكثر التهم التي نسبها إليه الثوار المغرضون الذين اتهموه بالتفريط في أمور بيت المال، وإسرافه في توزيع ما فيه على الناس بالباطل، كما يبطل ما زعموه من أنه حمى الحمى وحمى الأسواق وحمى البحر لنفسه وتجاراته؛ لأنه إنما كان يفعل ذلك لمصلحة المسلمين العامة، ولما رأى أن عبد الله بن أرقم الذي كان على بيت المال في زمان أبي بكر وعمر قد كبر وضعف عن الإدارة المالية أعفاه من ذلك، وولاها فتى نبيلا أمينا هو زيد بن ثابت. (3)

ترتيبه بعض أمور الدين: فمن ذلك أنه زاد الأذان الأول في الجمعة، وهو أول من فعل ذلك ليؤذن أهل الأسواق فيتركوا تجارتهم ويقدموا إلى الصلاة، وهذا الأمر وإن كان بدعة فإنه بدعة حسنة، ومن ذلك أنه أول من رزق المؤذنين وأعطاهم الأموال على الأذان، ومن ذلك أنه أول من اتخذ مقصورة في المسجد؛ فقد ذكر الزبير بن بكار في تاريخ المدينة أن عثمان أول من اتخذ المقصورة في المسجد؛ خوفا من أن يصيبه ما أصاب عمر، وأنه صنعها من اللبن، واستعمل عليها السائب بن مروان، ومن ذلك أنه أول من خطب في العيد قبل الصلاة، وقيل إن معاوية هو الذي فعل ذلك، وهو أول من اتخذ دار الأضياف في الإسلام وجعلها في المدينة مضافة لمن يقصدها من أهل الأقاليم، وأقام لها ما يقوم بأمورها.

1

الفصل السابع

| في مناقبه وأسرته

(1) مناقبه

كان عثمان من جلة الصحابة وعظمائهم وعلمائهم في أمور الدين والدنيا، أخلص في إيمانه، وجاد بأمواله لنصرة الإسلام وحماية الرسول، وقد أحبه الرسول حبا جما، وأثنى عليه أعطر الثناء، وقال في أقواله كلمات تدل على إكباره إياه وتعظيمه لسجاياه، فمن ذلك قوله: «أصدق أمتي حياء عثمان»، وقوله له مرة: «ألست حافر بئر رومة؟ ومجهز جيش العسرة؟ والزائد في مسجدي وباذل المال في رضى الله ورضاي؟ ومن تستحي منه ملائكة السماء؟» ولما قحط الناس في زمن أبي بكر وقدمت لعثمان وقتئذ تجارة فيها ألف راحلة بر وطعام، فغدا التجار إليه فقرعوا بابه، فقال لهم: ادخلوا، فدخلوا، فإذا ألف وقر قد صب في بيت عثمان، فقال لهم: كم تربحوني على شراء ما جاءني من الشام؟ قالوا: العشرة اثني عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة أربعة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: العشرة خمسة عشر، قال: قد زادوني، قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟ قال: زادني ربي بكل درهم عشرة، عندكم زيادة؟ قالوا: لا، قال: فاشهدوا أنها صدقة على فقراء المدينة.

وقال شرحبيل بن مسلم: كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة، ويأكل هو الخل والزيت، وقد تواترت الأخبار من كثرة إنفاقه في سبيل الله، وزهده في الدنيا على كثرة أمواله، وتواضعه على أن الله قد رفعه، ولما وقعت الفتنة العظمى وكان من أمر عثمان ما كان، أراد بعض المفسدين أن يوقعوا بينه وبين الإمام علي عليه السلام، فكان الإمام علي يدافع عنه، ويذكر فضائله ومزاياه، ويحضهم على السكينة وعدم إثارة الفتنة، وكان يقول: أيها الناس، إنكم تكثرون في عثمان، وإن مثلي ومثله كما قال الله تعالى:

ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ، أيها الناس، هذه لنا خاصة. ولما بلغه أن بعضهم زعم أن عليا هو الذي اشترك في تحريض الناس على قتله قال: إنهم يقولون: إن عليا قتل عثمان، لعن الله من قتل عثمان، وأنا وطلحة والزبير وعثمان كما قال تعالى:

ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين .

والحق أن الإمام عليا كان أعلم الناس بمزايا عثمان، وقد بايعه وهو عارف فضله وبلاءه بالإسلام، وحرصه على إقامة شعائر الدين، ولكن الفتنة إذا حلت عمي البصر وطاش عقل اللبيب، وقد ابتلى الله المسلمين في أواخر عهد عثمان بجماعة من الأعراب الجفاة والغوغاء، وبجماهير من السفلة الأشقياء، وببعض الموتورين ممن آلمهم أن تسموا دوحة الإسلام، فكادوا لها حتى كانت تلك الفتنة التي نجى الله المسلمين منها بعلي عليه السلام الذي أمرهم بالحكمة والعدل، بما حباه الله من الرصانة والعقل، ولكنه مع ذلك لم ينج من كيد الكائدين فقتلوه، ثم مكن الله معاوية، فوطد ملك العرب بعزمه وحزمه ودهائه وذكائه وقصده وكيده، ما كان يبطح بها ويشتت شملها. (2) أسرته

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٧٩