تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثالث

| في أعماله، في خلافته

(1) تسيير بعث أسامة

أول عمل قام به أبو بكر بعد الفراغ من تجهيز الرسول ودفنه هو أنه أمر مناديه أن ينادي من الغد من متوفى الرسول

صلى الله عليه وسلم

ألا يبقين بالمدينة أحد من جند أسامة بن زيد الذي كان جهزه رسول الله إلا خرج إلى عسكره بالجرف قرب المدينة، ثم قام أبو بكر فخطب الناس بعد أن تجمعوا، فقال: «أيها الناس، إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفونني ما كان رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يطيق، إن الله اصطفى محمدا على العالمين، وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإن استقمت فتابعوني، وإن زغت فقوموني، وإن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

قبض وليس أحد من هذه الأمة يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها، ألا وإن لي شيطانا يعتريني، فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، وأنتم تغدون وتروحون في أجل قد غيب عنكم علمه، فإن استطعتم أن لا يمضي الأجل إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله، فسابقوا في مهل آجالكم من قبل أن تسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال، فإن قوما نسوا آجالهم وجعلوا أعمالهم لغيرهم، فإياكم أن تكونوا أمثالهم، الجد الجد والوجاء الوجاء، والنجاء النجاء ، فإن وراءكم طالبا حثيثا أجلا مره سريع، احذروا الموت واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات.»

ثم إنه اهتم في إنفاذ بعث أسامة، فقال له أصحابه: أما ترى ارتداد العرب عامة وخاصة؟ ونجم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم

صلى الله عليه وسلم

وقلتهم وكثرة عدوهم، وأن هؤلاء جل العرب والمسلمين على ما ترى، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين! فقال لهم: والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذنه.

وكان الرسول قد أعد هذا البعث إلى أبنى لفتح أطراف الشام، وجعل فيه بعض كبار الصحابة وأمر عليهم أسامة بن زيد، ولم يكن تجاوز آخرهم الخندق حتى بلغهم نبأ وفاة الرسول، فوقف أسامة، ثم بعث إلى خليفة رسول الله يستأذنه في أن يرجع بالناس، فقال له أبو بكر: لا بد والله من تسيير البعث، ثم إنه أخذ يعد العدة لتسيير البعث، فأعدها وخرج بنفسه يودع أسامة ويشيعه، ولما قدم على أسامة وهو بالجرف خطب الناس فقال: «أيها الناس، قفوا أوصكم: أوصيكم بعشر فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بعيرا ولا بقرة إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له، وسوف تقدمون على قوم يأتونكم بآنية فيها ألوان من الطعام، فإذا أكلتم منها شيئا بعد شيء فاذكروا اسم الله عليها، وتلقون أقواما قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها مثل العصائب فاخفقوهم بالسيوف خفقا، اندفعوا باسم الله، أقناكم الله بالطعن والطاعون.»

1

ثم أمره أن ينفذ كل ما أمره رسول الله به من أن يبدأ بقضاعة، ثم يأتي آبل، وألا يقصر في شيء من أمر الرسول؛ فمضى أسامة مغذا على ذي المروة والوادي، وانتهى إلى ما أمره رسول الله

صلى الله عليه وسلم

من بث الخيول في قبائل قضاعة والغارة على آبل، فسلم وغنم، وكان فراغه في أربعين يوما سوى مقامه ومنقلبه راجعا، وقد كان تسيير هذا البعث سياسة حكيمة وطدت أمر الإسلام وأرهبت أهل الردة والمشركين الذين قالوا: لو لم يكن أبو بكر على بصيرة من أمره وقوة من نفسه وكثرة من جنده لما بعث هذا البعث في مثل هذا الظرف. وقد صرف الله لسبب هذا البعث عن أبي بكر والمسلمين كثيرا من الفتن التي كان المشركون وأهل الردة يعدونها للفتك بالإسلام وأهله. (2) فتنة الردة وحروبها

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٧