ولن يقيم على خسف يراد به
إلا الأذلان عير الحي والوتد
هذا على الخسف مربوط برمحته
وذا يشج فلا يبكي له أحد
فزجره علي وقال: إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتن، وإنك والله طالما بغيت الإسلام شرا، لا حاجة لنا في نصيحتك، وكان هذا كله قبل دفن الرسول
صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أهله حجبوه عن الناس، فلما بايع الناس أبا بكر ورجع إلى المسجد جلس على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس، إني قد كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيي، وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهدا عهده إلي رسول الله، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا حتى يكون آخرنا، وإن الله أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوا.» فبايع المسلمون بيعة العامة بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، فإني وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي منكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع أحد منكم الجهاد في سبيل الله، فإنه لا يدعه قوم إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله .»
5
ولما أتم القوم الصلاة نظر أبو بكر في وجوه القوم فلم ير عليا فسأل عنه، وذهب زيد بن ثابت وجماعة من الأنصار فأتوا به إليه، فقال له: أنت ابن عم رسول الله وختنه، وأردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال علي: لا تثريب يا خليفة رسول الله، وكذلك فعل الزبير، ثم انصرف أبو بكر والقوم إلى دفن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فلما أتموا ذلك لزم علي بيته حينا من الدهر يترضى السيدة فاطمة حين لم يقض لها أبو بكر بما طالبت به من مال أبيها، وظلت غضبى إلى أن ماتت، فبعث علي إلى أبي بكر: ائتنا ولا يأتنا معك أحد، وكره أن يأتيه عمر لما يعلم من شدته، فقال عمر: لا تأته وحدك، فقال أبو بكر: لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي؟ فانطلق حتى دخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده، فقام علي، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم به علينا ... ثم ذكر قرابته من رسول الله وحقه، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر.
فلما صمت علي تشهد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فوالله لقرابة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أحب إلي أن أصلهم من قرابتي، وإني والله ما آلو بكم في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم على الحد، ولكن سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة»، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني والله لا أذكر صنعة فيه إلا صنعته إن شاء الله تعالى، ثم قال علي: موعدك للبيعة العشية، فلما صلى أبو بكر الظهر أقبل على الناس ثم عذر عليا ببعض ما اعتذر به، ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر، فذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه وأقبل الناس إلى علي فقالوا: أصبت وأحسنت.
6
وهكذا تمت البيعة لأبي بكر فقبلها وهو كاره، ولما رأى إجماع الناس على بيعته دعته نفسه إلى الاستقالة؛ فقد روي عن زيد بن أسلم أنه قال: دخل عمر على أبي بكر وهو آخذ بطرف لسانه: إن هذا أوردني الموارد، ثم قال: يا عمر لا حاجة لي في إمارتكم، فقال عمر: والله لا نقيلك ولا نستقيلك؛ قدمك رسول الله، فمن ذا الذي يؤخرك؟ ولما استخلف أبو بكر قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مئونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ويحترف للمسلمين.