تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

قال الأسدي: صحبت عمر فما رأيت أحدا أفقه في دين الله، ولا أعلم لكتاب الله، ولا أحسن مدارسة منه، وإني لأحسب تسعة أعشار العلم ذهبت يوم ذهب عمر. وقال ابنه عبد الله بن عمر: لله تلاد عمر لقلما يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان.

ومن مناقبه رضوان الله عليه وسلامه: أنه كان مع شدته وهيبة الناس إياه رقيق القلب، كثير الحساسية، لطيفا، رءوفا بالناس، كثير الحدب عليهم، عظيم العناية بضعيفهم، وكان يقرأ في وجوه الناس ما تكنه ضمائرهم، فيخاطب كلا بما في قلبه ويلاطفه، وكان صاحب فراسات في أمور الناس تكاد لولا تواترها تظن أنها من نسج خيالات الرواة ومخترعات أفكارهم، فمن ذلك ما رووا أنه رأى رجلا أعرابيا، فقال لمن معه من الناس: هذا رجل مصاب بولده، وقد نظم فيه شعرا لو شاء لأسمعكم، قال: ثم ناداه وقال له: يا أعرابي، من أين أقبلت؟ فقال: من أعلى الجبل، قال: وما وضعت فيه؟ قال: أودعته وديعة لي، قال: وما وديعتك؟ قال: بني لي هلك فدفنته فيه، قال: فأسمعنا ما قلت فيه، فقال: وما يدريك يا أمير المؤمنين؟ فوالله ما تفوهت بذلك وإنما حدثت به نفسي، ثم أنشد:

يا غائبا ما يئوب من سفره

عاجله موته على صغره

يا قرة العين كنت لي أنسا

في طول ليلي نعم وفي قصره

ما تقع العين حيثما وقعت

في الحي مني إلا على أثره

شربت كأسا أبوك شاربه

لا بد منه له على كبره

يشربها والآنام كلهم

من كان في بدوه وفي حضره

فالحمد لله لا شريك له

في حكمه كان ذا وفي قدره

قدر موتا على العباد فما

يقدر خلق يزيد في عمره

فبكى عمر حتى بل لحيته، ثم قال: صدقت يا أعرابي.

4 (3) أسرته

كان لعمر ثلاثة عشر ولدا: تسعة بنين وأربع بنات، أما البنون: «فعبد الله» أسلم مع أبيه بمكة صغيرا وهاجر معه، وشهد المشاهد كلها بعد بدر وأحد، وكان عالما مجتهدا في السنة من عباد الله خوافا له، ناصحا للأمة، زاهدا في الدنيا وزخرفها، مات وله أربع وثمانون سنة في عام 73 للهجرة، و«عبد الرحمن» الأكبر، وهو شقيق عبد الله، وأمهما زينب بنت مظعون، و«زيد الأكبر» وأمه أم كلثوم بنت علي عليه السلام، و«عاصم» وأمه جميلة بنت عاصم، وكان فاضلا خيرا، مات سنة 70ه، و«عبد الرحمن» الأوسط وأمه لهية أم ولد، و«عبد الرحمن» الأصغر وأمه أم ولد، و«عباس» وأمه عاتكة بنت زيد، و«زيد» الأصغر و«عبيد الله» وأمهما مليكة بنت جرول الخزاعية.

وأما البنات فهن: «حفصة»: زوجة النبي عليه الصلاة والسلام، شقيقة عبد الله وعبد الرحمن الأكبر، و«رقية»: شقيقة زيد الأكبر، و«فاطمة»: وأمها أم حكيم بنت الحارث، و«زينب»: وأمها فكيهة، وكن كلهن عالمات فاضلات مهذبات كريمات.

الفصل السادس

| في مشهوري رجال دولته

(1) طلحة بن عبيد الله بن عثمان التميمي (28ق.ه.-36ه)

وهو الصحابي الجليل الشجاع، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين اختارهم عمر بعده، وهو أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، شهد بدرا وأحدا، وثبت مع رسول الله يوم أحد وبايع الرسول على الموت، فأصيب بأربعة وعشرين جرحا وسلم، ثم شهد الخندق وسائر المشاهد.

وكان غنيا سخيا، يضرب المثل بجوده فيقال: «أجود من طلحة.» وإذا قيل: «طلحة الجواد» أو «طلحة الفياض» لم يقصد غيره، لم يكن يدع أحدا من بني تميم إلا أغناه، وكانت له تجارة وافرة مع العراق والشام واليمن، وكان من خطباء الصحابة، إلا أنه كان حربا لعلي عليه السلام، خرج مع عائشة يوم الجمل، وقتل وهو بجانب السيدة عائشة، والمشهور أن مروان بن الحكم هو الذي قتله، رماه بسهم، وقال: أطلب بثأري بعد ذلك اليوم؛ فقد زعموا أن طلحة كان ممن حاصر عثمان واشتد عليه ، فلذلك قتله مروان وقال ذلك القول، وكان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وكان له ستون سنة.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٦٤