تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما رجع الرسل إلى المقوقس وأخبروه بخبر المسلمين وثباتهم بعث إلى عمرو يطلب إليه من يفاوضه على الصلح، فبعث إليه عشرة نفر عليهم عبادة بن الصامت، فلما دخلوا على المقوقس أخذ يسلك في حديثه مسلك القوة.

فقال له عبادة: «لا ورب هذه السماء، ورب هذه الأرض، ورب كل شيء، ما لكم عندنا خصلة غير هذه الثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو الحرب.» فقال المقوقس لقومه: «أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث، فوالله ما لكم به من طاقة، وإن لم تجيبوا إليهم طائعين لتجيبنهم إلى ما هو أعظم من هذه كرها.»

20

فلم يقبل القوم، وكتب المقوقس بذلك إلى هرقل، فرد عليه بكتاب يوبخه فيه، ويحقر قوة المسلمين ويأمره بالحرب، فلم يستمع لقوله، وأعلم عمرا أنه يصافحه ويضمن له الجسور، ويقيم الضيافة والإنزال للمسلمين بين الفسطاط والإسكندرية، وهكذا استولى المسلمون على «منف»، وضرب عمرو فسطاطه ووطد أمر المسلمين هناك.

ثم أخذ يستعد لغزو الإسكندرية عاصمة مصر، وثانية حواضر الدولة الرومانية الشرقية، وقد أيقن هرقل أن سقوط الإسكندرية معناه سقوط الدولة نفسها، لمكانتها العالمية من جهة، وشهرتها الاقتصادية التجارية من جهة أخرى، فلذلك بادر بإرسال الجيوش إلى الإسكندرية بحرا، ونشط للدفاع عنها، وأمر القائد «تيودورس» بتحصين المدينة وحماية طريقها، وسار عمرو إليها عن طريق طرنوط (الطرانة) ففتحها، ثم سار نحو «نقيوس» و«سلطيس» و«الكريون» ففتحها جميعها، حتى وصل إلى الإسكندرية، فحاصرها أشد حصار، وحمي الوطيس بين الجانبين، ودام الحصار أربعة أشهر، فقلق بال عمر بن الخطاب، وكتب إلى عمرو يلومه على ما ورط المسلمين فيه، فشحذ ذلك من همة عمرو، وبذل المسلمون قصارى جهدهم، وأبلوا أحسن البلاء، فمكنهم الله من الفتح عنوة واضطروا البيزنطيين إلى الهرب، ولكن عمرا جعل أهلها ذمة على أن يخرج من يخرج ويقيم من يقيم، ثم إن المقوقس عقد هدنة مع عمرو تتضمن النقاط الآتية: (1)

أن يدفع كل من فرضت عليه الجزية دينارا في السنة. (2)

أن مدة المهادنة أحد عشر شهرا. (3)

أن يحتفظ العرب بمراكزهم وألا يباشروا أعمالا حربية ضد الروم، كما أن الروم يكفون عن منابذة المسلمين. (4)

ألا يتعرض المسلمون للكنائس بسوء، وأن يتركوا للمسيحيين أمورهم الدينية. (5)

أن ترحل الحامية البيزنطية من المدينة مع ما تملك من المال، مال متعة، على أن يدفعوا الجزية عن شهر عن رجلين. (6)

ألا يؤذى يهود المدينة. (7)

ألا يعود إلى مصر جيش رومي أو يحاول استرداد ما أخذه المسلمون. (8)

أن يكون لدى المسلمين من الروم 150 جنديا، و50 ملكيا بمثابة رهينة لتنفيذ هذه المعاهدة وضمان إبرامها.

على أن الروم لم يوفوا بعهدهم؛ فقد بعث قسطنطين بن هرقل جيشا بقيادة «مانويل»، ودخل الإسكندرية فقتل من فيها من المسلمين وحاميتهم، واضطر المسلمون أن يتراجعوا إلى «نقيوس»، فلما علم عمرو بذلك سار إليهم واشتبك مع الروم بقتال حام واسترد «الإسكندرية»، وقتل «مانويل»، وهدم عمرو سور الإسكندرية، وأخذ يبعث البعوث إلى أرض مصر وفتحها، وكتب عمرو بذلك إلى عمر، وأمر المقوقس والقبط على الصلح الذي صالحهم عليه عمرو، وبقي المقوقس على رياسة قومه، وكان المسلمون يشاورونه فيما ينزل بهم من المهمات إلى أن توفي، وكان يقيم «بالإسكندرية» تارة و«بمنف» تارة أخرى.

الفصل الرابع

| في أعماله الإدارية والتنظيمية

اتسعت الدولة الإسلامية العمرية اتساعا عظيما، ففتحت في عهد عمر بلاد الشام ومصر والعراق وفارس، وعظمت موارد الدولة، وشيد المسلمون مدنا ثلاثة، هي: الكوفة، والبصرة، والفسطاط، وكان الرأس المدبر والعقل المنظم لهذه الدولة العظمى هو رأس الخليفة العظيم وعقله الجبار، ويمكننا إجمال تلك الأعمال الإدارية في النقاط التالية: (1) تنظيم الدواوين والعطايا والخراج والنفقات وتوسيعها عما كانت عليه أيام الرسول الأعظم والخليفة الصديق

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٥٧