تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما حذيفة فإنه بعد فتح نهاوند علم أن أهل همذان قد نقضوا عهد الصلح، فكتب بذلك إلى عمر، فأمره أن يبعث إليها نعيم بن مقرن، فرجع إليها من الطريق، واستولى عليها وعلى ما حولها، ثم جاء أمر عمر لحذيفة بالتوجه إلى «الري» و«أصفهان»، فسار إليهما وصالحه أهلهما، وبعث سويد بن مقرن إلى «قومس» فذهب إليها، وصالحه أهلها وكتب لهم كتابا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى سويد بن مقرن أهل قومس من الأمان على أنفسهم ومللهم وأموالهم، أن يؤدوا الجزية عن كل فرد بقدر طاقته، وعلى أن ينصحوا ولا يغشوا، وعلى أن يدلوا، وعليهم أن يقروا من نزل بهم من المسلمين يوما وليلة من أوسط طعامهم، وإن نكثوا واستخفوا بعهدهم فالذمة منهم بريئة.»

ثم سار سويد إلى «جرجان» و«خراسان» و«طبرستان» و«جيلان» ففتحها صلحا، وكتب لأهلها كتابا جاء فيه: «هذا كتاب من سويد بن مقرن للفرخان صاحب خراسان على طبرستان وجيل وجيلان من أهل العدو، إنك آمن بأمان الله عز وجل، على أن تكف لصوتك وأهل حواشي أرضك، ولا تؤدي لنا بغية، وتتقي من ولي فرج أرضك بخمسمائة ألف درهم من دراهم أرضك، فإذا فعلت ذلك فليس لأحد منا أن يغير عليك ...»

ولما رأى عمر تخاذل الفرس رأى أن يوجه الجيوش إلى سائر الأنحاء الباقية من بلاد فارس، فكتب إلى أبي موسى الأشعري أمير البصرة أن يوجه الأمراء الآتية أسماؤهم لفتح ما بقي من البلاد، وهم: الأحنف بن قيس ووجهته «بلاد خراسان»، والمجاشع بن مسعود السلمي ووجهته «أردشير خره» و«سابور»، وعثمان بن أبي العاص ووجهته «اصطخر»، وسارية بن زنيم الكناني ووجهته «فسا»، وسهيل بن عدي ووجهته «كرمان»، وعاصم بن عمرو ووجهته «سجستان»، والحكم بن عمير التغلبي ووجهته «مكران»، فسار الأمراء في أول سنة 18ه إلى وجهاتهم، وأتم الله على المؤمنين هذه الفتوح العظمى، وغنم المسلمون أعظم المغانم، وامتد سلطان الإسلام في بلاد فارس جميعها حتى بلغ نهر السند.

19 (5) في فتوح مصر

لما أتم المسلمون فتح الشام، وقدم عمر إلى الجابية سنة 18ه الموافق سنة 639م أتى إليه عمرو بن العاص، وكان أحد القواد الأربعة التي تمت على أيديهم فتوح الشام، واستأذنه في فتح مصر، وذكر له أنها أكثر الأرض مالا، وأوفرها خيرات، وأقلها مقاتلين، وأن المسلمين إذا فتحوها كانت لهم قوة وعونا، فتردد عمر أول الأمر؛ لأنه أشفق على المسلمين من الفشل، ولا سيما أن أقدامهم في الشام والعراق لم تثبت بعد، فلم يزل عمرو يهون عليه الأمر؛ لأنه يعرف أحوالهم في الجاهلية معرفة «صادقة»، وأن فتح مصر يغني المسلمين، ويثبت أقدامهم في الشام؛ لأن بقاء مصر في يد الروم يعرض البلاد الشامية للخطر المحقق، فوافق عمر على ذلك، وعقد له لواء على أربعة آلاف رجل وبعثه في سبيل الله، فسار عمرو حتى بلغ العريش ففتحها بدون مقاومة، ثم سلك طريق مصر حتى بلغ «العريش»، وهي أول مدينة مصرية، فلقيته الحامية الرومانية، وهي مفتاح مصر، وكانت منيعة الحصون، فحاصرها عمرو شهرا ونصف شهر حتى تم له فتحها في أول المحرم سنة 19ه/كانون الثاني 640م.

وكان «الأرطبون» صاحب فلسطين الذي هرب منها إلى مصر في بلبيس، فهزمه عمرو واستولى على المدينة، ثم سار عمرو نحو - بابليون - حيث يعسكر البيزنطيون متحصنين، فحاصرهم عمرو، وكتب إلى الخليفة يستمده فأمده بأربعة آلاف أخرى فيهم نفر من كبار الصحابة أمثال: الزبير بن العوام، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، والمقداد بن الأسود، وكتب إليه كتابا يقول فيه: قد أمددتك بأربعة آلاف، فيهم رجال الواحد منهم بألف رجل.

وخرج القائد البيزنطي «تيدور» رئيس الحامية المصرية البيزنطية في عشرين ألف مقاتل لملاقاة العرب، فبعث إليه عمرو كمينا جعله عند الجبل الأحمر، فانقض الكمين على الجيش البيزنطي وضعضع نظامه، ثم لقيه عمرو، فتفرقت صفوف «تيدور»، وهرب من جنده قسم في النيل، ولجأ قسم إلى حصن بابليون فتحصنوا به، ودام الحصار إلى فجر سنة عشرين للهجرة، ولما رأى المقوقس صاحب مصر أن لا قبل له بالعرب، وأن حصارهم سيطول، وأنهم لا بد سيقتحمون الحصن عليه، خرج هو ونفر من الأشراف، فطلب من عمرو أن يصالحه، فقال عمرو لرسله: ليس لكم إلا واحدة من ثلاث: الدخول في الإسلام، ولكم ما لنا وعليكم ما علينا، أو إعطاء الجزية عن يد وأنتم صاغرون، أو المناجزة حتى يحكم الله بيننا وبينكم.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٥٦