تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صبحنا بالبقايس رهط كسرى

صبوحا ليس من خمر السواد

صبحناهم بكل فتى كمي

وأجرد سابح من خيل عاد

ولما تتابعت الهزائم على الفرس وضاق «رستم» بهذا الفشل المريع، عزم على أن يضرب المسلمين ضربة قاسية، فجيش جيشا هائلا عقد لواءه لبطل من أبطالهم، هو: «بهمن جاذويه» المعروف بذي الحاجب، ومعه الجالينوس وسائر أبطال الفرس، وعدد كثير من الفيلة، وفي المقدمة راية كسرى العظمى المعروفة «بدرفش كابيان»، وسار الفرس حتى بلغوا شاطئ الفرات عند «قس الناطق».

وكان أبو عبيد معسكرا على شاطئ الفرات عند المروحة قرب «البرج» و«العاقول»، فبعث بهمن يخبر أبا عبيد أن يعبر أحدهما إلى صاحبه، فقال أبو عبيد: نحن نعبر إليكم، ولم يوافق قواد المسلمين على العبور، وأشاروا على أبي عبيد أن يدعوهم إلى العبور، فقال لهم: لا يكونوا أجرأ منا على الموت، بل نعبر إليهم. فعبروا إليهم، واشتد القتال بين الجيشين، وأسرعت السيوف في أهل الفرس، وأصيب منهم عدد كبير، ولم يبق بين المسلمين وبين النصر إلا القليل - على الرغم مما لقوا من الفيلة - ولكن أحد الفيلة تمكن من أبي عبيد فقتله، وأخذ اللواء نفر كان سماهم أبو عبيد قبل دخول المعركة إن أصابه شيء، إلى أن أخذ اللواء المثنى، وكان الناس قد هربوا، فلما رأى عبد الله بن مرثد الثقفي ذلك بادر إلى الجسر فقطعه وقال: أيها الناس، موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا، فانتهى إليه الناس وسيوف الفرس تأخذهم من ورائهم، وغرق في الفرات من لم يصبر على الماء، وحمى المثنى من لقي من فرسان المسلمين ، وهلك من المسلمين يومئذ أربعة آلاف ما بين قتيل وغريق، وهرب ألفان وبقي ثلاثة آلاف، وجرح المثنى، وانهزم بعض المسلمين حتى أتوا المدينة واستخفى بعضهم بين القبائل، وبعث المثنى بالخبر إلى عمر فاشتد حزنه على ذلك، ولكنه لم يتخاذل، بل أخذ يشجع الناس ويسكن الهاربين ويلاطفهم ويقول لهم: لا تجزعوا أيها المسلمون، أنا فئتكم إنما انحزتم إلي، ولم يتمكن الفرس من استثمار ذلك النصر الذي أحرزوه، فإنهم لم يتعقبوا فلول المسلمين؛ لأن بعض الثورات الداخلية كانت قد نشبت في بلادهم وثار الناس في المدائن على رستم، وانقسموا قسمين، فاضطر «بهمن جاذويه» على أن يرجع بجنده إلى المدائن.

أما عمر فإنه أخذ يفكر في طريقة لمحو آثار هذه الهزيمة النكراء التي مني بها الجيش الإسلامي، فأخذ يحث الناس على السفر إلى العراق للانضمام إلى المثنى بن حارثة، ولكنه لقي في ذلك عنتا وحرجا، وحين أراد أن يبعث بني بجيلة سار زعيمها جرير بن عبد الله وهو مكره، فإنه كان يفضل السير إلى الشام، ولكن عمر ترضاه وقومه بربع الخمس استصلاحا لهم مع نصيبهم من الفيء، ثم بعث بني ضبة بزعامة عصمة بن عبد الله، فساروا جميعا للعراق إمدادا للمثنى.

وكتب عمر إلى أهل الردة من بني عبد القيس وغيرها ممن لم يكن يسمح لهم بالجهاد أن يخرجوا إلى العراق، فسارت جموع كثيرة منهم حتى أتت المثنى، فسار بهم حتى أتى «البويب» في المكان الذي بنيت فيه الكوفة بعدئذ، والتقى الجمعان في رمضان سنة 13ه، وأظهر المثنى دربة فائقة، فتغلب المسلمون على الفرس، وقتل «مهران» قائدهم وجمع كبير جدا من الفرس، واطمأن المسلمون إلى هذا النصر الكبير الذي عوضوا فيه انكسارهم «يوم الجسر»، وانتقم المسلمون من الفرس حتى سمي هذا اليوم: «يوم الأعشار»؛ فقد أحصي فيهم مائة رجل قتل كل رجل منهم عشرة رجال في المعركة، عدا من قتل تسعة أو ما دونها، وعد يوم البويب نصرا عظيما، لا لأنه غسل عن المسلمين عار يوم الجسر، ولا لأنه قهر الفرس القهرة الكبرى، بل لأنه مكن المسلمين من السيطرة على السواد كله، وصار لهم ما بين دجلة والفرات يتصرفون فيه تصرف الفاتح المسيطر، وأخذوا يهيئون أنفسهم لغزو بلاد العراق العجمي وفارس، قال الطبري: «لما أهلك الله مهران استمكن المسلمون من الغارة على السواد فيما بينهم وبين دجلة، فمخروها لا يخافون كيدا، ولا يلقون فيها مانعا.»

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٤٨