تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

15

وهذا النص يؤيد أن فتح القدس كان في أواخر سنة خمس عشرة، وقيل: بل كان ذلك في أوائل سنة ست عشرة،

16

وبفتح القدس (إيلياء) وقيسارية (قيصرية) ودمشق اضمحل السلطان الرومي في سورية، فهرب من هرب من أهلها مع الروم إلى آسية الصغرى، وقضي على الدولة البيزنطية في الشام كله بعد أن فقدت عددا كبيرا من أبطالها وقادتها، وبخاصة يوم اليرموك وأجنادين، وقد توج هذه الفتوح حضور عمر وعقده صلح القدس المشرف للإسلام المحافظ على كيان المسيحية وتقاليدها، وقد أشاد بهذا الحدث كثير من شعراء العصر، فمن ذلك قول زياد بن حنظلة:

تذكرت حرب الروم لما تطاولت

وإذ نحن في عام كثير نزائله

وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا

مسيرة شهر بينهن بلابله

وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده

يحاوله قرم هناك يساجله

فلما رأى الفاروق أزمان فتحها

سما بجنود الله كيما يصاوله

فلما أحسوه وخافوا صواله

أتوه وقالوا: أنت ممن يواصله

وألقت إليه الشام أفلاذ بطنها

وجيشا خصيبا ما تعد مآكله

أباح لنا ما بين شرق ومغرب

مواريث أعقاب بنتها قرامله

وقال أيضا:

سما عمر لما أتته رسائل

كأصيد يحمي حرمة الحي أغيدا

وقد عضلت بالشام أرض بأهلها

تريد من الأقوام من كان أنجدا

فلما أتاه ما أتاه أجابهم

بجيش ترى منه الشبائك سجدا

وأقبلت الشام العريضة بالذي

أراد أبو حفص وأزكى وأزيدا

فقسط فيما بينهم كل جزية

وكل رفاد كان أهنا وأحمدا

17 (2) فتوح العراق

خلفنا الفتوح الإسلامية في العراق على عهد الصديق، تنتهي في الجزيرة الفراتية على يد سيف الله خالد بن الوليد والمثنى بن حارثة، ورأينا أن الصديق قد كتب إلى خالد أن يترك العراق وينجد الجيش الإسلامي في الشام، فخلف المثنى بن حارثة في الجزيرة وسار نحو الشام، وكان من أمره ما كان.

أما المثنى فإنه اتخذ الحيرة مقره، وأخذ يجيش فيها الجيوش، ويهيئها للمعركة الكبرى التي علم بأن الفرس قد استعدوا لها أيما استعداد، فكتب إلى الخليفة يستمده، فندب الخليفة الناس للذهاب إلى أهل فارس ومعاضدة جيش المثنى بن حارثة الشيباني في العراق، وخطبهم خطبة أثارت غيرتهم وحماستهم قال فيها: «أيها الناس، إن الحجاز ليس لكم بدار إلا على النجعة، ولا يقوى عليه أهله إلا بذلك، أين الطراء يهاجرون عن موعود الله، سيروا في الأرض التي وعدكم الله في الكتاب أن يورثكموها، فإنه قال:

ليظهره على الدين كله ، والله مظهر دينه ومعز ناصره، ومولي أهله مواريث الأمم، أين عباد الله الصالحون ...»

فكان أول منتدب أبا عبيد بن مسعود، ثم سعد بن عبيد أو سليط بن قيس، فبعث عمر أبا عبيد قائدا على الجيش، وأوصاه أن يسمع لأصحاب رسول الله، ويشركهم في الأمر، ولا يجتهد مسرعا حتى يتبين، فإنها الحرب، والحرب لا يصلحها إلا الرجل المكيث الذي يعرف الفرصة، وسار أبو عبيد حتى أتى المثنى، فسارا جميعا حتى التقوا بالجيش الفارسي الذي يقوده «جابان» عند الخارق، وكان قتال شديد بين الطرفين، وهزم الله الفرس وأسر «جابان»، وقسم أبو عبيد الغنائم، وبعث بالأخماس إلى الخليفة، ثم قصد أبو عبيد «كسكر» وعليها «نرس»، وبينما هو في الطريق عند «السقاطين» لقيه جمع من الفرس، فقاتلهم وهزمهم، وغنم منهم غنائم كثيرة فيها كثير من الأطعمة، وسار نحو «كسكر» فالتقى بالقائد «نرس» وقاتله أشد قتال حتى اضطره إلى الهرب، وخلف خلفه خزائن وأموالا جسيمة وأطعمة كثيرة، فاستولى على ذلك، وبعث بالخمس إلى الخليفة وكتب إليه: «إن الله أطعمنا مطاعم كانت الأكاسرة يجمعونها وأحببنا أن تروها، ولتذكروا إنعام الله وأفضاله.» ثم سرح أبو عبيد المثنى إلى «باروسما» فهزم من تجمع منها، وأخرب وسبى وغنم، ولما عظمت نكبات الفرس استمدوا «بوران»، وكانت على العرش، فأمدتهم بالجالينوس - وهو من صناديد أبطالهم - في جيش كبير، وسار الجالينوس نحو «باقسياتا»، فهل له أبو عبيد في جمع من المسلمين وهزم «الجالينوس»، وتم النصر لأبي عبيد، وفي ذلك يقول عاصم بن عمرو:

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٤٧