تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

أما ثقافته فقد كانت ثقافة لداته، وهي الإلمام بعلوم عصره من علم وأدب وبراعة بالشعر الجاهلي، أمثال الجاهلية وخطبها وأنسابها، وكان يحض شباب قومه على حفظ أخبار أسلافهم وعلومهم وآدابهم. ويروى عنه أنه قال لابنه عبد الرحمن: انسب نفسك تصل رحمك، واحفظ محاسن الشعر يحسن أدبك، فإن من لم يعرف نسبه لم يصل رحمه، ومن لم يحفظ محاسن الشعر لم يؤد حقا ولم يقترف أدبا. وكانت له آراء في نقد الشعر العربي القديم، وأحكام صائبة في شعراء الجاهلية والمعاصرين له، وكان يشجع الشعراء على قول الشعر الجزل الجامع لمكارم الأخلاق، كما يحض على تعلم تاريخ الجاهلية وأخبارها وأنسابها وأيامها، ويقول: تعلموا النسب، ولا تكونوا كنبيط السواد، إذا سئل أحدهم عن أهله قال: أنا من قرية كذا. ويقول أيضا: عليكم بطرائف الأخبار فإنها من علم الملوك والسادة، وبها تنال المنزلة والحظوة عندهم.

ولما جاء الإسلام حفظ كثيرا من آي القرآن وأحاديث الرسول، واستعمل في ذلك عقله وفهمه وبصيرته، حتى بلغ في الاجتهاد والتشريع مبلغا لم يصل إليه أحد سوى كبار فقهاء عصره كأبي بكر وعلي، حتى قال عبد الله بن مسعود: كان عمر أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله. وقال: لو أن علم عمر بن الخطاب في كفة ميزان، ووضع علم الأرض في كفة لرجح علم عمر بعلمهم. وكانت له توجيهات كثيرة وإرشادات صائبة لطلاب العلم ورواد الفقه وعلوم القرآن وأخبار الرسول وسننه، وسنرى تفصيل ذلك حين كلامنا عن صفاته ومزاياه فيما بعد.

الفصل الثاني

| في إسلامه وأحواله أيام الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر

(1) إسلامه

ظهرت الدعوة المحمدية ولعمر بن الخطاب نيف وعشرون سنة، وكان فتى قرشيا معتزا بعشيرته وتقاليدها، عنيفا في الحفاظ على أمجادها وآثارها، رأى آباءه يدينون بدين فاعتنقه، واشتدت حماسته لهذا الدين، وما عتم أن رأى ظهور فتى من قريش أخذ يهاجم هذا الدين، ويتهم عقول أصحابه ويطعن في عقيدتهم ويسفه أحلامهم، وكان عمر، على الرغم من إيمانه بشرف نفس صاحب الدعوة الجديدة وثقته بأمانته ونبل خلقه، يعز عليه أن يراه يهاجم قومه وينتقد دينهم الذي توارثوه عن الآباء والأجداد؛ ولذلك اشترك عمر في الحملة التي كان يشنها مناوئو محمد عليه، فانتقده وعذب الذين صبئوا عن دين قومهم، واشترك في الإساءة إلى القوم الذين بدلوا دينهم، ولكنه حين رآهم يخرجون من ديارهم وأموالهم، وينادون بسقوط من اضطروهم على الخروج ومغادرة مسقط رأسهم إلى أرض بعيدة ولكنهم سيأمنون فيها على دينهم، رأى ذلك كله فأشفق عليهم، ورثى لحالهم، وتألم كما يتألم كل فتى حيي القلب ناشط الوجدان، يرى أحرار قومه من أرباب العقيدة الجديدة يفضلون حياة التشرد على أن يبقوا في أرضهم ويتابعوا ضلالهم وفجارهم.

روى ابن هشام صاحب السيرة عن أم عبد الله بن حنتمة أنها قالت يوم الهجرة: لما كنا نرتحل مهاجرين إلى الحبشة أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي، وكنا نلقى منه البلاء والأذى والغلظة علينا، فقال لي: إنه الانطلاق يا أم عبد الله؟ قلت: نعم، والله لنخرجن في أرض الله ... آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا. فقال: «صحبكم الله.» ورأيت منه رقة لم أرها قط.

ولقد تعددت الروايات في أسباب إسلام عمر، ولكنها كلها تتفق في شيء واحد، وهو أنه أراد أن يضع حدا لهذا التبلبل النفسي الذي سيطر عليه لما ظهر الإسلام وأخذت دعوة الرسول تنتشر في أرجاء مكة؛ فقد رأى أن بعض عقلاء قريش كأبي بكر بن أبي قحافة، وعلي بن أبي طالب، وخديجة بنت خويلد، وغيرهم من الأذكياء الأمناء قد دخلوا في الدين الجديد، ولا يعقل أن يكون كل هؤلاء قد صبئوا عن الدين القديم دون أن يناقشوا الدين الجديد ويمحصوه، ويتبنوا صدق ما جاء به صاحبه، فلا بد أن يكون ثمة شيء جديد جدير بالتفكير والدرس، ولكن عزة الجاهلية ونخوتها التعسفية كانتا تحولان دون سؤاله عن هذا الدين وسماعه لما جاء به محمد من القرآن والحكمة، إلى أن كانت حادثة أخته وإسلامها ودخوله عليها وهي ترتل القرآن، فقد روى أنس بن مالك قال: «خرج عمر يوما متقلدا السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، فقال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمدا، قال: كيف تأمن من بني هاشم ومن بني زهرة وقد قتلت محمدا؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه! قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه؛ فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب بن الأرت، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت، فدخل عليهما فقال لهما: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٣٧