صلى الله عليه وسلم
من غزوة بني قريظة، وقيل: بل كان إسلامه سنة ثمان مع عمرو بن العاص وعثمان بن طلحة، والأشهر أنه أسلم بين غزوة الحديبية وخيبر؛ فقد كانت الحديبية في ذي القعدة سنة 6ه، وكانت خيبر في المحرم وصفر سنة 7ه، وأن خالدا وعمرو بن العاص وعثمان قدموا عليه بعد الحديبية إلى المدينة مسلمين، فرحب بهم، وقال لصحابته لما رآهم: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها.
ولم يزل خالد من وقت إسلامه إلى أن هلك محاربا في سبيل الله، مجاهدا في نصرة الدين، وكان له الفضل الأكبر في القضاء على فتنة الردة وفي فتوح العراق والشام، كما أسلفنا تفصيله. وشهد فتح مكة ويوم حنين، وبعثه النبي إلى أكيدر بن عبد الملك صاحب «دومة الجندل»، ولما ولي عمر عزله عن قيادة جيوش الشام، وولاها أبا عبيدة؛ لأنه كان يأخذ عليه أشياء، منها قتله مالك بن نويرة في حروب الردة، ولما علم خالد بعزله لم يثن ذلك عن عزمه في الفتوح، واستمر يقاتل تحت إمرة أبي عبيدة إلى أن أتم الله على يديهما نصر دينه، وفتح هاتيك البلاد.
ومات خالد سنة 21ه أو سنة 22 بحمص، وقبره هناك، وقيل: بل مات بالمدينة، وكان خطيبا فصيحا يشبه عمر بن الخطاب في خلقه وصفته، وكان أبو بكر يعجب به جدا ويحبه ويقول: إن النساء عجزت أن تلد مثل خالد، رحمه الله ورضي عنه.
5
| الخليفة الراشد الثاني: عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)
13-23ه/634-644م
الفصل الأول
| في نسبه وأوليته في الجاهلية وثقافته
هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي القرشي، وكنيته أبو حفص، ولقبه الفاروق، لقبه بذلك سيدنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية القرشية.
ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة،
1
وروى ابن عبد البر عنه أنه قال: ولدت بعد الفجار الأعظم بأربع سنين،
2
وكان ذلك حوالي سنة أربعين قبل الهجرة.
وقد وصفه مترجمون من الحجازيين بأنه كان أبيض أمهق - وهو الذي لا يكون له دم ظاهر - طويلا جسيما، أصلع، أجلح - وهو الذي انحسر الشعر على جانبي رأسه - شديد حمرة العينين، خفيف العارضين، أعسر، يسر، كث اللحية، أشيبها.
3
وكان أبوه من أشراف قريش، وأكثرهم فضلا وجاها وعقلا، ولما ولد له عمر عني به فأحسن تأديبه، وعلمه ما يتعلم أبناء الأشراف في زمانه من القراءة والكتابة وحفظ أخبار قومه، ونشأ على أفضل ما ينشأ عليه أبناء قريش من البراعة في الفروسية وحفظ أخبار الأولين، والعرب وأشعارهم، ورواية مناقبهم ومفاخرهم، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال بعد العشرين من العمر رأت قريش فيه مزايا النبل والفضل والعقل، فعهدت إليه بمنصب من أجل مناصبها وهو «السفارة» للإصلاح بين القبائل، والتوسط في حل الخصومات التي تقع بينها وبين الآخرين لما وهبه الله سبحانه - على حداثة سنه - من العقل الراجح والفضل الواضح؛ فقد كان من أفاضل قومه، وأصحاب الرأي فيهم ، ونال ما نال عن جدارة واستحقاق لهذا المنصب الرفيع الذي هو أحد المناصب العشرة التي اختصت بها قريش دون سائر العرب، يتولاه من تقدمه لينوب عنها في عقد المعاهدات والإصلاح بين القبائل، والتوسط في الخصومات، وسائر أحوال المنافرات والمفاخرات.
قال ابن عبد البر: كان عمر من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية؛ وذلك أن قريشا كانت إذا وقعت بينهم حرب أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيرا، وإن نافرهم منافر أو فاخرهم مفاخر بعثوه منافرا ومفاخرا.
4
أما صناعته التي كان يتعاطاها بالإضافة إلى هذا العمل الرسمي - على حد تعبيرنا اليوم - فقد كانت في ضروب التجارة، وكان يذهب إلى الشام مع قريش في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء، ونقل عنه أنه لم يكن من كبار التجار، بل كان مقلا، ولكن ما عرف عنه من الأمانة والشرف جعله يتاجر كأكبر التجار؛ فإن الأمانة وحسن السمعة والشرف رأس مال عظيم.