تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما سار خالد علم أن هرمز سبقهم إلى الحفير في جموعه، فأمال خالد الناس إلى كاظمة، وبلغ ذلك هرمز فبادره إلى كاظمة وسيطر على الماء، وبقي المسلمون بلا ماء، فنادى خالد في المسلمين ألا انزلوا وحطوا أثقالكم، ثم جالدوهم على الماء، فلعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين وأكرم الجندين. ثم احتدم القتال، وأرسل الله سحابة فأغدرت ما وراء المسلمين فقواهم الله بها، ولما طال القتال برز هرمز طالبا خالدا للبراز، فنزل إليه خالد وتضاربا ضربتين، ثم احتضن خالد هرمز فقتله وانهزم الفرس، وركب المسلمون أكتاف الفرس إلى آخر الليل، وجمع خالد الأسلحة وفيها السلاسل، فكانت ألف رطل وقر بعير، فسميت تلك المعركة بذات السلاسل، وغنم خالد مغانم كثيرة، وبعث بالخمس وبالفيل الذي كان مع الفرس إلى أبي بكر، فلما قدم رسول خالد على أبي بكر ضج المسلمون فرحا وسجدوا لله شكرا.

ثم إن خالدا بعث حارثة في آثار فلول الفرس، وأرسل معقل بن مقرن المزني إلى الأبلة ليجمع له أموالها وخيراتها وسبيها، فأتاها معقل ونزلها وجمع الأموال والسبايا، وقد بلغ سهم الفارس يوم السلاسل ألف درهم، والراجل على الثلث من ذلك.

9

معركة المذار (الثني)

كان هرمز كتب إلى أردشير شيرويه ملك فارس يخبره عن خالد وبمسيره إليه، فأمده بالقائد قارن بن قريانس، وسيره من المدائن حتى إذا انتهى إلى المذار - وهي من أعظم مواطنهم الحصينة - بلغته هزيمة هرمز ولحق به المنهزمون، فجمعهم وحصن نفسه بالمذار، فسار إليه خالد، وانقض المسلمون على قادة الجيش الفارسي فمزقوهم وقتلوا صناديدهم وفرقوا جموعهم، وكانت مقتلة عظيمة فاز فيها المسلمون بنصر مؤزر ومغانم كثيرة، ولولا أن المياه حالت دون تخطي المسلمين للحقوا بفلولهم. وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفيء، ونفل من الأخماس أهل البلاد، وبعث ببقية الأخماس، ووفد وفدا مع سعد بن النعمان إلى أبي بكر.

وقد روى الطبري أن من قتل من الفرس في وقعة المذار كانوا ثلاثين ألفا سوى من غرق، ولولا المياه لأتى خالد على آخرهم، ولم يفلت منهم من أفلت إلا العراة وأشباه العراة. وقد عامل خالد الفلاحين أطيب معاملة عملا بوصية أبي بكر، فأبقى لهم أراضيهم، وحفظ لهم حقوقهم بعد أن أخذ منهم الجزية، وكان ذلك في صفر من السنة الثانية عشرة للهجرة.

معركة الولجة

بعد أن أتم خالد ترتيب أموره عقب فتح المذار بعث إليه أردشير بقائد قوي الشكيمة يدعى «أندرزغر»، ثم ألحق به القائد «بهمن جاذويه»، فسار «أندرزغر» حتى أتى كسكر، ثم سار نحو الولجة، وسار بهمن في طريق آخر وسط السواد، ولما بلغ خالدا قدوم هذين الجيشين عليه نادى المسلمين أن يتأهبوا ويحذروا ويتركوا الغفلة والاعتزاز، حتى إذا بلغ بهم «الولجة» تلقاه «أندرزغر»، فاقتتلوا أشد قتال حتى ظن الفريقان أن الصبر قد فرغ، ثم إن الله ثبت جنده وأعانهم، فغلبوا الفرس وهزموهم وتفرقت جموعهم، وانهزم أندرزغر يهيم على وجهه والقوم من ورائه حتى مات عطشا، والمسلمون يتبعون الفرس وخالد يحثهم على اتباعهم، ويقول للعرب مرغبا إياهم ببلاد العجم، ومزهدا إياهم ببلاد العرب، فكان مما قاله: «ألا ترون إلى الطعام كرفغ التراب، وبالله لو لم يلزمنا الجهاد في الله والدعاء إلى الله عز وجل ولم يكتب إلا للمعاش لكان الرأي أن نقارع على هذا الريف، حتى نكون أولى به، ونولي الجوع والإقلال من تولاه ممن اثاقل عما أنتم عليه.» حتى كتب الله النصر للعرب، وفتحت «بلاد الولجة»، وسار خالد بالفلاحين سيرته بهم في المذار فلم يقتلهم بل أبقاهم في أرضهم بعد أن أخذ الجزية، ولم يسب إلا ذراري المقاتلة ومن أعانهم من عرب بكر بن وائل الذين انضموا إليهم.

فتح أليس وأمغيشيا

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٧