معركة ذات السلاسل
بعد أن تم للصديق القضاء على فتنة الردة، وأرجع العرب إلى دين الله ووطد قواعد الإسلام في الجزيرة العربية، عزم على أن يتمم خطوات النبي الكريم في نشر راية الإسلام ولواء العروبة في الخافقين، ووجد أن مملكتي الفرس والروم هما أعظم الممالك المجاورة للعرب، وأن هاتين الدولتين قد طغتا واستعبدتا الناس، وأن كسرى أبرويز إمبراطور الفرس لما تلقى كتاب الرسول الكريم مزقه استكبارا وجبروتا، وبعث إلى عامله على اليمن - باذان - أن يبعث إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
رجلين جلدين يأتيانه به، فتوجها إليه، ولما دخلا إلى المدينة وكلمهما رسول الله دعاهما إلى الإسلام، وأبان لهما أن عاقبة الظلم وخيمة، وأن كسرى ظالم قد علا في الأرض وطغا، وأن الله قد انتقم منه وسلط عليه ابنه شيرويه فقتله، وكان الأمر كما أخبر رسول الله، فلما تحقق الرجلان صدق قول الرسول أسلما.
ثم إن شيرويه بعد أن تسلطن بعث إلى باذان ألا يتعرض للرسول العربي، وكان ذلك بدء نشوء الإسلام في اليمن، وأسلم باذان فأبقاه الرسول في إمارته، وكانت اليمن أول بلاد خاضعة للفرس دخلت تحت لواء الإسلام، ثم تبعتها بلاد البحرين وبلاد عمان وكانتا تحت حماية الفرس أيضا. فلما مات رسول الله واستخلف أبو بكر وانتهى من فتنة الردة وكان سيف الله خالد بن الوليد هو أجل من أظهر جرأة على المرتدين في بلاد اليمامة حين بعثه الصديق إليها، ثم انتدبه ليكون أول من يضع الحجر الأساسي للبناء الإسلامي في بلاد العراق وديار فارس وما إليهما، ويرفع الراية الإسلامية في هاتيك الديار العريقة في الحضارة والعلم، الغريقة في الوثنية والجهالة، فكتب إلى خالد في المحرم من السنة الثانية عشرة أن يهيئ نفسه وجنده للمسير من اليمامة إلى بلاد العراق، فدخلها من أسفلها، كما كتب إلى عياض بن غنم أن يسير حتى يأتيها فيدخلها من أعلاها، وأيما سبق إلى الحيرة فهو أمير على صاحبه، فأخذ خالد يستعد للقاء العدو ويرتب جيشه، ولم يقبل أن يجند أحدا ممن كانوا قد ارتدوا عن الإسلام ولا أن يسافروا معه تلبية لأمر الخليفة الذي أمره ألا يكره أحدا من المجاهدين على السفر، كما أمره ألا يقبل سفر أحد من المرتدين سابقا معه؛ لأن رأيه ألا يستعان بمن ارتدوا على غزو أبدا، وأمره أن يبدأ بفرج الهند، وهي الأبلة، وأن يتألف أهل فارس ومن كان في مملكتهم من الأمم. وهناك رواية للطبري تقول: إن خالدا قدم المدينة على أبي بكر، ثم خرج منها إلى العراق، ولكن الرواية الأولى هي الأشهر والأكثر وثوقا.
ومهما يكن من أمر، فإن خالدا سار نحو العراق وغرضه الحيرة عاصمة عرب الجزيرة حتى يسيطر عليها ويقضي على النفوذ الأعجمي في بلاد العرب. أما عياض بن غنم فإنه سار وهو بين النباج والحجاز، حتى أتى المصيخ ودخل العراق من أعلاه. وكتب أبو بكر إلى حرملة والمثنى بن حارثة ومن معهما أن ينضموا جميعا تحت إمرة خالد، فبعث إليهم خالد أن موعدهم الأبلة، فساروا جميعا إليها حتى اجتمعوا بخالد، فكان عدد أجنادهم ثمانية عشر ألفا، وجرت بين المسلمين وأهل تلك المواطن معارك نجملها في المباحث التالية:
كان على الأبلة هرمز الفارسي، فلما علم بمقدم العرب إليه كتب إلى كسرى شيرويه ينبئه بالخبر، وما عتم أن جاءه كتاب من خالد قبل أن يصل إليه يقول له فيه: «أما بعد فأسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك؛ فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما يحبون الحياة.» ثم إن خالدا فرق جنده ثلاث فرق: الأولى: عليها عثمان بن حارثة وقد سرحه قبله بيومين، والثانية: عليها عدي بن حاتم، وعاصم بن عمرو، والثالثة: عليها خالد نفسه، وتواعدوا جميعا أن تكون الحفير ملتقاهم.