صلى الله عليه وسلم
وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل، ولما رميت بالإفك وبرأها الله أمر النبي بجلد من اتهمها بذلك.
وكانت السيدة عائشة ممن نقمن على عثمان عمله في حياته، فلما قتل غضبت له بعد مقتله، وخرجت إلى العراق مطالبة بدمه، وكانت لها في هودجها يوم وقعة الجمل وقفة الخطيب الثائر، ويعد ذلك من أخطائها، وتوفيت في المدينة ليلة 17 رمضان، وأمرت أن تدفن ليلا بعد الوتر بالبقيع، وصلى عليها أبو هريرة، ونزل قبرها عبد الله وعروة ابنا الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الله بن محمد ابن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، رحمها الله ورضي عنها.
4 (5) أبو موسى الأشعري (21ق.ه-44ه)
هو عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، وأمه امرأة من عك، كانت أسلمت وماتت بالمدينة، ولد عبد الله في زبيد باليمن، وقدم مكة عند ظهور النبي بدعوته فأسلم وحسن إسلامه، ثم هاجر إلى الحبشة وقدم مع أهل السفينتين حين كان رسول الله بخيبر، وقيل إنه لم يهاجر إلى الحبشة.
وكان رجلا فاضلا، قال ابن عبد البر الأندلسي: كان علامة نسابة، ولاه عمر بن الخطاب البصرة حين عزل عنها المغيرة بن شعبة في سنة عشرين ه، فافتتح أبو موسى بلاد الأهواز وأصفهان في إيران، ولم يزل على البصرة إلى أن استخلف عثمان فبقي على عمله فترة، ثم لما رفع أهل الكوفة سعيد بن العاص ولوا أبا موسى على بلدهم، وكتبوا بذلك إلى عثمان يسألونه أن يوليه فأقره، فلم يزل في الكوفة حتى قتل عثمان، ثم كان منه بصفين ما كان، وكان منحرفا عن الإمام علي عليه السلام؛ لأنه عزله ولم يستعمله، وغلبه أهل اليمن في إرساله في التحكيم فلم يجزه، ثم انفتل إلى مكة وظل فيها إلى أن مات، وقيل: بل مات بالكوفة في داره بجانب المسجد، واختلف في وقت وفاته، فقيل كانت سنة 42، وقيل سنة 44، وقيل سنة 50، وقيل سنة 52، والأشهر ما ذكرناه من أنه مات سنة 42، وكان من أحسن الناس صوتا، وأكثرهم فهما، وكان خفيف الجسم قصيرا، حسن التلاوة.
5 (6) جرير بن عبد الله البجلي (؟-54ه)
هو جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي أبو عمرو، وكان بجيلة أسلم في العام الذي توفي فيه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وكان يقول: أسلمت قبل موت الرسول بأربعين يوما، وما حجبني منذ أسلمت ولا رآني قط إلا ضحك وتبسم. وبعثه الرسول نائبا عنه إلى ذي كلاع وذي رعين باليمن. وكان جميل الصورة جدا، حتى إن عمر بن الخطاب كان يلقبه «يوسف هذه الأمة» لجمال صورته، وكان يجله ويوقره ويقول له: «ما زلت سيدا في الجاهلية والإسلام.» وكان يبعثه إلى عماله يتفقد أحوالهم. وقد عاد مرة من عند سعد بن أبي وقاص فسأله عمر عنه كيف تركه؟ فقال: تركت سعدا في ولايته أكرم الناس مقدرة وأحسنهم معذرة، وهو لهم كالأم البرة، يجمع لهم كما تجمع الذرة، مع أنه ميمون الأثر مرزوق الظفر، أشد الناس عند البأس، وأحب قريش إلى الناس. قال: فأخبرني عن حال الناس، قال: هم كسهام الجعبة منها القائم الرائش، ومنها العضل الطائش، وابن أبي وقاص يغمز عضلها، ويقيم ميلها، والله أعلم بالسرائر. قال: أخبرني عن إسلامهم، قال: يقيمون الصلاة لأوقاتها، ويؤتون الطاعة لولاتها. فقال عمر: الحمد لله إذا كانت الصلاة وأوتيت الزكاة، وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة.
وقد أرسله الإمام عليه السلام إلى معاوية، فحبسه مدة طويلة، ثم أرسله برسالة لم يكتب عليها شيئا، كما أسلفنا تفصيله.
وكان من الحكماء النبهاء، وله كلمات مشهورة، منها قوله: الخرس خير من الخلابة، والبكم خير من البذاء، وفيه يقول الشاعر:
لولا جرير هلكت بجيلة
نعم الفتى وبئست القبيلة
وقد نزل جرير الكوفة في أواخر أيامه، وكانت له بها دار، ثم تحول إلى قرقيسياء، وبها مات في سنة 54ه.