تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11

رأينا:

يقول الجاحظ (365ه) في البيان والتبيين: «وهذه خطب رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مدونة محفوظة ومخلدة مشهورة، وهذه خطب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم).»

12

ويقول المسعودي (346ه) في المروج عن خطب الإمام إنها: «في سائر مقاماته أربعمائة خطبة ونيف، وثمانون خطبة يوردها على البديهة، تداول الناس ذلك عنه قولا وفعلا.»

13

فكلمة الجاحظ تدلنا على أنه كانت في القرن الثالث خطب معروفة مدونة للإمام، وكلام المسعودي صريح في عدد خطب الإمام، وأنها كانت متداولة في أوائل القرن الرابع بين الناس.

ولما أراد الشريف الرضي في أواخر القرن الرابع جمع أشتات هذه الخطب، لم يكن في ذلك مخترعا، وإنما كانت نواة هذه الخطب موجودة من قبله، وبهذا يبطل قول من قال بأن الشريف هو الذي اخترع كل خطب النهج، ولكن لا شك في أن بعض ما في النهج وغيره من كتب الأدب مما يذكر للإمام هو منحول، ولعل الشريف الرضي أدخل في النهج بعض هذه الخطب المنحولة مما لا يتصور صدوره عن الإمام، ولا عن الشريف الرضي نفسه؛ فقد كان معروفا بنبل النفس وشرف المكانة الاجتماعية والعلمية، وأغلب ظننا أن هذه الزيادات من دس بعض النساخ.

14 (1-3) آثاره الدينية

خلف الإمام عددا كبيرا من القضايا والفتاوى والأحكام الشرعية في القضاء والفتيا والفقه، ولا عجب؛ فقد كان من أقضى أهل زمانه وأعلمهم بالفقه، وأجدرهم على استنباط الأحكام الشرعية من القرآن والسنة والعرف، وكان عمر بن الخطاب كلما وجد مشكلة دينية عويصة، أو قضية فقهية دقيقة قال: «قضية ولا أبا حسن لها.»

وكان عليه السلام بارعا بعلم الفرائض والمواريث والحساب؛ وذلك لأنه كان صافي الذهن، ذا ذكاء وقاد وقريحة صافية، ولا أدل على ذلك مما روي عنه أن امرأة جاءت إليه وشكت أن أخاها مات عن ستمائة دينار، ولم يقسم لها سوى دينار واحد، فقال لها: لعل أخاك ترك زوجة وابنتين وأما واثني عشر أخا وأنت؟ فقالت: نعم، فقال لها: لقد أخذت حقك، وسئل مرة وهو على المنبر عمن ترك زوجة وأبوين وابنتين، فقال: صار ثمن الزوجة تسعا، وسميت هذه المسألة بالفريضة الخيرية.

ومما ينسب إلى الإمام: وضع مبادئ علم النحو، وأن أبا الأسود الدؤلي شيخ النحاة قد أخذ ذلك عنه، وليس في هذا الأمر أية غرابة، فقد يكون ذلك صحيحا، وخاصة حينما رأى الإمام أن اللغة العربية أخذت تفسد، فأمر أبا الأسود الدؤلي أن يهتم بهذا الأمر على ضوء المبادئ التي رسمها له.

الفصل الخامس

| في أعماله الإدارية وتنظيماته

(1) أعماله الإدارية

من الكلمات المشهورة: «إن علي بن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بخدع الحرب والسياسة»، وهي كلمة باطلة لا أساس لها من الصحة أصلا، وإن كان بعض الناس قالوها في عصره، وترددت في العصور التالية إلى أيامنا هذه.

إن الإمام كان على جانب عظيم من حسن الإدارة والسياسة وتنظيم الممالك، على الرغم من مخالفته لما كان يشير عليه به دهاة السياسة والإدارة في عصره، وعلى الرغم مما انتقده عليه رجال التاريخ ونقدة المؤرخين، فهم يزعمون أنه أخطأ في كثير من أعماله الإدارية والسياسية، وتكاد تنحصر انتقاداتهم لإدارته وتنظيمه في النقاط التالية: (1)

قبوله الخلافة في ذاك الظرف الحرج. (2)

عزله معاوية. (3)

سوء معاملته لطلحة والزبير. (4)

قبوله بالتحكيم. (5)

عدم تسليمه قتلة عثمان.

والحق أن الإمام عليه السلام منزه عن هذه التهم الباطلة، وسنبين ذلك فيما يلي: (1-1) قبوله الخلافة في ذلك الظرف الحرج

من المؤكد أن الإمام عليه السلام كان يعتقد أنه أحق الناس بخلافة رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يرغب في ذلك فور وفاة النبي، وقد رأينا طرفا من ذلك في سير مباحث سيرة أبي بكر وعمر وعثمان، ولكنه وراء ذلك كان يكره انشقاق صفوف المسلمين، فهو يرغب في الخلافة ليرفع من شأن المسلمين، ويصلح أحوالهم، وينظم إدارتهم، ويتمم ما بدأ به رسول الله

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ١٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ١٠٦