وبعث الأمين إلى المأمون رسالة جاء فيها: «إن الإمام الرشيد ولاني هذه الأرض على حين كلب من عدوها، ووهي من سدها وضعف من جنودها، ومتى أخللت بها أو زلت عنها لم آمن انتقاض الأمور فيها وغلبة أعدائها عليها بما يصل ضرره إلى أمير المؤمنين ...»
4
ولما تأكد الأمين أن المأمون مصر على بقائه في خراسان، أعاد عليه الكرة وكتب إليه ثانية يطالبه بالتنازل عن بعض كور في خراسان - سماها له - قاصدا بذلك إضعاف المأمون وتهوين أمره، فشاور المأمون رجاله فأشاروا عليه جميعا بإجابة طلب الخليفة إلا الفضل وزيره، ووافقه المأمون على رأيه وكتب إلى الخليفة كتابا يقول فيه: «قد بلغني كتاب أمير المؤمنين يسأل التجافي عن مواضع سماها مما أثبته الرشيد في العقد، وجعل أمره إلي ... وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو علم من الحال ما علمت لم يطلع بما كتب بمسألته إلي، ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان» (الطبري، 10: 133).
ولما أرسل رسالته إلى الأمين أخذ يشتد في حراسة الحدود، ثم إن الأمين جدد الكتابة إليه والمطالبة بالتنازل عن بعض أجزاء مملكته، وبعث الرسالة مع وفد أوصاه بالتشنيع على المأمون، فلما قرأ المأمون الرسالة اغتاظ وكتب إلى أخيه يقول: «... فلا تبعثني يا بن أبي على مخالفتك، وأنا مذعن بطاعتك ولا على قطيعتك، وارض بما حكم الحق في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق» (الطبري، 10: 134).
فلما قرأ الأمين هذه الرسالة غضب جدا، وكتب إلى المأمون يقول: «أما بعد؛ فقد بلغني كتابك، محافظا لنعمة الله عليك، فيما يكن لك من ظلها، متعرضا لحراق نار لا قبل لك بها، ولحظك عن الطاعة كان أودع، وإن كان قد تقدم مني متقدم فليس بخارج من مواضع نفعك إذا كان راجعا على العامة من رعيتك ...» (تاريخ الطبري، 10: 134)، ولكن المأمون لم يغير رأيه وبعث إلى أخيه برسالة شديدة اللهجة قال له فيها: «فأولى به أن يدبر الحق في أمره ثم يأخذ به ويعطي في نفسه، وأما ما وعد به من بر طاعته، وأوعد من الوطأة بمخالفته، فهل أحد فارقه الحق في فعله فأبقى للمتبين موضع ثقة بقوله؟» (تاريخ الطبري، 10: 134)، فأجاب الأمين على هذه الرسالة بوفد يفاوض أخاه في الصلح وفي تقديم موسى عليه في ولاية العهد؛ ولكن الوفد رجع خائبا ورد شر رد، وصاح الفضل بن سهل في رئيس الوفد العباس بن موسى بن عيسى: «اسكت فهذا بين أخواله وشيعته.» فلما بلغت هذه الأخبار مسامع الأمين خلع أخاه من ولاية العهد وأعلن أمر عصيانه ووجوب محاربته، وعقد البيعة لابنه موسى، وجعل علي بن عيسى بن ماهان صاحب أمره، ثم جمع وجوه القوم من أهل بيته ومواليه وقواد ورؤساء الأجناد الخراسانية في المقصورة بالشماسية، وكان ذلك أحد أيام الجمع من شعبان سنة 195ه، فصلى الجمعة ثم دخل المقصورة وبقي ابنه موسى في المحراب ومعه الفضل بن الربيع، فقام فقرأ عليهم كتابا من الأمين يعلمهم فيه ما أحدثه عبد الله (المأمون) من قطعه البريد عن أمير المؤمنين والدعاء لنفسه وتسميه بالإمامة، وأن ذلك ليس من الشروط التي شرطها أبوه الرشيد عليه في العقد، ثم ذكر الفضل أنه لا حق لأحد في الخلافة والإمامة إلا لأمير المؤمنين الأمين فهو يوليها بعده من يشاء، ثم قال: إن الأمير موسى ابن أمير المؤمنين قد أمر لكم معاشر أهل خراسان من صلب ماله بثلاثة آلاف ألف درهم، ووزع الأموال بينهم، ولما انتهى الاجتماع أخذ الفضل يهيئ جيشا بقيادة علي بن عيسى بن ماهان لحرب المأمون، ولما تم كل شيء سار علي بن عيسى في جمادى الآخرة من سنة 195ه للقاء المأمون فودعه الأمين إلى النهروان، وكان جيشه زهاء أربعين ألف، على رواية الطبري (التاريخ، 10: 139)، ولما وصل الري لقيه الجيش الذي بعث به المأمون للقائه بقيادة طاهر بن الحسين، وكانت الغلبة لطاهر وقتل علي بن عيسى فيمن قتل.