تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل السادس

| الأمين بن الرشيد

193ه-198ه/813م (1) أوليته

هو أبو عبد الله وأبو موسى محمد الأمين بن هارون الرشيد، وأمه زبيدة بنت جعفر بن أبي جعفر المنصور، ولد سنة 171ه وولاه أبوه العهد في سنة 175ه، عني به والداه عناية زائدة فثقفاه وعلماه ومرساه بالحكم والسيادة والقيادة من نعومة أظفاره؛ فشب فصيحا بليغا كريما نبيلا، وكان الكسائي والأحمر إماما عصرهما في العلم والأدب يشرفان على تهذيبه وتعليمه، ويحدثنا الأحمر أن الرشيد أوصاه حين سلمه ابنه الأمين ليؤدبه بقوله: «لا تعلمه ما يفسد دينه، وأحسن أدبه وفهمه؛ فأقرئه القرآن وفقهه في الدين وروه الشعر، وأخبره بأيام الناس وأخبارهم.»

1

وقد فعل ذلك كما يحدثنا المسعودي (في مروج الذهب، 3: 307، 308)، ويقول: إن الرشيد عهد بالأمين إلى الفضل بن يحيى ليدربه على الإدارة والسياسة، وإن الأمين كان في نهاية القوة والشدة والبطش، ويظهر أن أساتذته قد وجهوه توجيها دينيا، فشب وهو يكره الزندقة والإلحاد، فقد روى الطبري (في تاريخه، 10: 220) ما يفيد أن الأمين كان متشددا في أمر الزنادقة والفتك بهم، ويقول ابن القيم: «إن الأمين أقصى الجهمية وتتبعهم بالقتل والحبس.»

2

ومهما يكن من شيء، فإن الأمين نشأ نشأة فاضلة واعتنى به جماعة من أئمة الفقه والعلم والدين والتأديب والسياسة في عصره، وقد يتجلى لنا ذلك فيما حكيناه عمن ترجموه، كما سيتجلى لنا ذلك في سيرته وتصرفه الرشيد في خلافته وإدارته. (2) بيعته

مات الرشيد بعيدا عن عاصمته في طوس، وقد مر بنا تفصيل ذلك، فكتب حمويه مولى الرشيدي وصاحب البريد بطوس إلى صاحب البريد ببغداد يعلمه بوفاة أمير المؤمنين، فدخل هذا على محمد الأمين وعزاه وهناه بالخلافة في قصره بالخلد، وتحول الأمين من قصره إلى قصر أبي جعفر بالمدينة، ودعا الناس إلى المسجد الجامع في ذلك اليوم وكان يوم جمعة، فحضروا وصلى بهم، فلما قضيت الصلاة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ونعى الرشيد للناس وعزى نفسه والناس، ووعدهم خيرا وبسط الآمال وأمن الأسود والأبيض، فبايعه جلة أهل بيته وخاصته ومواليه وقواده، ثم نزل ودخل قصره ووكل عم أبيه الأمير سلمان بن أبي جعفر المنصور بأخذ بيعة العامة فبايعوه، ثم أمر السندي بن شاهك بأخذ مبايعة الأجناد وأمراء الجند ممن هم بمدينة السلام، وأمر لهم برزق أربعة عشر يوما منحة، وبعث إلى أخيه المأمون في خراسان كتابا يقول له فيه: إذا ورد عليك كتاب أخيك، أعاذه الله من فقدك، فقم في أمرك قيام ذي الحزم والعزم، وخذ البيعة على من قبلك من قوادك وجندك وخاصتك وعامتك لأخيك، ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أمير المؤمنين ... واكتب إلى عمال ثغورك وأمراء جندك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤمنين، وأعلمهم أن الله لم يرض الدنيا له ثوابا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته مغبوطا محمودا ... وأمرهم أن يأخذوا البيعة على أجنادهم في شوال سنة 193ه،

3

وكتب مثل ذلك إلى أخيه القاسم.

أما المأمون فقد بلغه نعي أبيه قرب مرو، يريد سمرقند، فرجع إلى مرو ودخل دار الإمارة، ثم نعى أباه وبايع لأخيه ثم لنفسه، وأعطى الجند رزق اثني عشر شهرا، وبقي هناك يترقب الأخبار مستقلا بإمارته، وقائما بما يجب عليه للخليفة أخيه خير قيام إلى أن جرت الفتنة بين الأخوين. (3) الفتنة بين الأخوين

في فجر سنة 194ه خلا الفضل بن الربيع بن يونس وزير الرشيد بالأمين وحثه على خلع أخويه المأمون والقاسم من ولاية العهد، وصرفها إلى ابنه موسى وتسميته الناطق بالحق، وكان مما قاله له: ما تنتظر يا أمير المؤمنين بعبد الله والقاسم أخويك، فإن البيعة كانت لك متقدمة قبلهما، وإنما أدخلا بعدك واحدا بعد واحد، فأعجبت الأمين هذه الفكرة وكتب إلى عماله في الأمصار بالدعاء لموسى بالآخرة بعد الدعاء له وللمأمون والقاسم، ثم رأى أن يبدأ خطته فعزل أخاه القاسم عن إمارته في ديار الجزيرة، ولما بلغت هذه الأخبار مسامع المأمون علم ما بيته أخوه فقطع البريد عنه وأسقط اسمه من الخطبة، وسمى نفسه «إماما» ولم يتسم بالخلافة، ثم أخذ وزيره الفضل بن سهل يشجعه على إعلان الثورة على أخيه وينشر له الدعوة بين الخراسانيين، فحط عنهم ربع الخراج وطابت نفوسهم بذلك وأخذوا يؤيدونه ويحملون على أخيه، ويقولون ابن اختنا وابن عم رسول الله (كتاب الوزراء للجهشياري، ص278)، وصار المأمون يراوغ أخاه ويداريه؛ فبعث إليه بالهدايا الجليلة ورسائل التعظم يوهمه بوجوب المصالحة وإعادة القاسم إلى إمارته، ولكن الأمين استمر في خطته ورد ما بعثه أخوه إليه من الهدايا، وكتب إليه يطالبه أن يتنازل عن بعض أجزاء مملكته؛ فحذره القاسم بن صبح أحد مستشاريه من ذلك، ثم إن الأمين كتب للمأمون يطلب إليه الحضور إلى بغداد مع وفد سماه؛ فاستشار المأمون وزيره الفضل في السفر فمنعه من ذلك (الطبري، 10: 147).

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٥٠