تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أول ما يحس به المرء من التنظيم في عهد المنصور أن السلطان أصبح ذا تقاليد جديدة لم تكن معروفة من قبل؛ فقد كان باب الخليفة قبلئذ في المدينة ودمشق مفتوحا لكل قاصد، ليس على بابه إلا حاجب يستأذن لكل من أراد الدخول، أما قصر الخليفة في «دار السلام» فقد صار ذا تقاليد وآداب، ولم يعد الوصول إلى الخليفة بالشيء السهل، وأصبحت رؤية الخليفة أمرا عسيرا، وأصبح الوزير يدير شئون الناس ويتصل بهم، ثم يرفع إلى الخليفة نتائج أعماله، وكان من وراء الوزير أربعة نفر؛ هم القاضي وصاحب الشرطة وصاحب الخراج وصاحب البريد، ويروي الطبري قولة لأبي جعفر يظهر فيها رغبته في العثور على أربعة يثق بهم ويعتمد عليهم في تدبير أمور الدولة، قال: «ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر لا يكون على بابي أعف منهم ... هم أركان الملك، فقاض لا تأخذه في الله لومة لائم، وصاحب شرطة ينصف الضعيف من القوي، وصاحب خراج يستقصي ولا يظلم الرعية، فإني عن ظلمها غني، والرابع صاحب بريد يكتب بخبر هؤلاء على الصحة.»

9

ويظهر من هذا القول أن الخليفة وإن كان قد حجب نفسه عن الناس إلا أنه ظل يراقب وزيره ومدبري أمور دولته، بل ربما كان يغالي في مراقبته حتى لا يجعل للوزير سلطانا عليه أو استبدادا بالناس، قال ابن الطقطقي في معرض حديثه عن وزراء المنصور: «لم تكن الوزارة في أيامه طائلة؛ لاستبداده واستغنائه برأيه وكفايته، مع أنه كان يشاور في الأمور دائما، وإنما كانت هيبته تصغر لها هيبة الوزراء، وكانوا لا يزالون على وجل منه وخوف، فلا يظهر لهم أبهة ولا رونق.»

10

وأول من تولى له من الوزراء هو أبو أيوب سليمان بن مخلد المورياني الأهوازي، وكان المنصور قد اشتراه صغيرا فثقفه وهذبه ودربه، فلما تولى السفاح أعجب بثقافته وذكائه فاختص به، ثم أخذ أمره ينمو لما كان يتمتع به من ذكاء ودهاء وخبرة، حتى إذا تولى المنصور الخلافة قلده وزارته، ولكنه لما رآه قد أثري ثراء فاحشا وأخذ يسيء السيرة غضب عليه وصادر أمواله ثم قتله في سنة 153ه، ثم ولى الربيع بن يونس أمور وزارته وكان عاقلا نبيلا منفذا للأمور مهيبا فصيحا خبيرا بالحساب وإدارة الأعمال،

11

فظل في وزارته إلى أن هلك المنصور.

ومن الوظائف الكبرى التي تلي الوزارة: (أ)

الحجابة:

وقد كان «الحاجب» موظفا كبيرا يتولى أمر الدخول على الخليفة، فلا يمثل بين يديه أحد إلا عن طريقه وبواسطته، والحجابة وظيفة قديمة معروفة منذ العهد النبوي الشريف، فقد كان للنبي وخلفائه الراشدين حجاب، ولكن لم يصبح لهذه الوظيفة تقاليد إلا في العهد الأموي، فإن معاوية قد اهتم بأمر الحجابة، وجعل لها تقاليد وآدابا، ثم توارث ذلك من خلفه، فزادوا في تلك التقاليد ونظموها، فقد روي أن عبد الملك بن مروان قال لصاحب حجابه: قد وليتك حجابة بابي إلا عن ثلاثة: «المؤذن للصلاة، وصاحب البريد، وصاحب الطعام.» (ب)

الكتابة:

وكان «الكاتب» هو الذي يتولى أمور الكتابة عن الخلفاء إلى الملوك والأمراء وغيرهم، وقد عرفت هذه الوظيفة منذ عهد النبي

صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء الراشدون فاستكتبوا، وربما تولى الخليفة نفسه أمر كتابة رسائله، ولكن لما اتسعت رقعة الملك في عهد بني أمية وبني العباس أصبح الكتاب هم الذين يتولون ذلك، وأصبحت لهم تقاليد وآداب فصلت أخبارها في كتب تاريخ الآداب. (ج)

الشرطة:

وكان يتولى أمرها قائد كبير يختاره الخليفة للمحافظة على الأمن وحفظ المدينة من الشطار وأهل الفساد، والضرب على يد كل من تسول له نفسه القيام بجناية أو العبث والفساد بالبلاد، وقد كانت هذه الوظيفة معروفة منذ العهد النبوي كما بينا ذلك مفصلا في موضعه. (د)

القضاء:

وقد كان «القاضي» ينظر في قضايا الناس ومشاكلهم الدينية والدنيوية فيقضي فيها بما أنزل الله، وكان يختار لهذا المنصب رجل موثوق أمين، فقد كان أبو بكر وعمر وعلي (رضي الله عنهم) يقضون في عهد الرسول، وكان بنو أمية يختارون للقضاء أفاضل الصحابة أو التابعين، ومن مشهوري قضاة المنصور الفقيه الإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (148ه)، وكان من طبقة أبي حنيفة الإمام الأعظم، وقد كان المنصور أراد أن يولي أبا حنيفة القضاء فاعتذر إليه عن ذلك.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٢١