تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويذكر المقدسي (في أحسن التقاسيم، ص119) أن أهل بغداد - وكان ثمة قرية قديمة تعرف بهذا الاسم ترجع إلى العهد البابلي - قالوا للمنصور: «تنزل في بغداد؛ فإنك تصير بين أربعة طساسيج؛ طسوجان في الجانب الغربي، وطسوجان في الجانب الشرقي، فاللذان في الغربي «قطربل» و«بادوربا»، واللذان في الشرقي «نهر بوط» و«كلواذي»، فأنت تكون بين نخيل وقرب الماء، فإن أجدب طسوج وتأخرت عمارته كان الآخر عامرا، وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الصين والهند والبصرة، وواسط في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها حتى الزاب، وتجيئك الميرة من الروم، آمد والجزيرة والموصل في دجلة، وأنت بين أنهارك لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا أقطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدوك، وأنت بين دجلة والفرات لا يجيئك أحد من المشرق والمغرب إلا احتاج إلى العبور وأنت متوسط للبصرة وواسط والكوفة والموصل والسواد كله، وأنت قريب من البحر والبر والجبل ...»

7

فأعجبه ذلك ثم أمر بتخطيط المدينة، وأمر أن تكون مدورة الشكل، وجعل لها سورين أحدهما داخل وهو سور المدينة، وسمكه في السماء 35 ذراعا، وعليه أبرجة سمك، كل برج منها فوق السور خمسة أذرع، وعلى السور شرف، وعرض السور من أسفله نحو عشرين ذراعا، ويليه من الخارج فصيل بين السورين وعرضه ستون ذراعا، ثم السور الأول وهو سور الفصيل ودونه الخندق، للمدينة أربعة أبواب متساوية البعد تؤدي إلى طرق أربعة، فتبدأ من مركز الدائرة، وتسير إلى أطراف الإمبراطورية الأربعة فباب سماه «باب الكوفة»، وباب سماه «باب البصرة» وباب سماه «باب خراسان» ورابع سماه «باب الشام»، وفي قلب المدينة يقوم قصر الخليفة، وإلى جانبه المسجد الجامع.

وكان الشروع في بناء المدينة الجديدة التي أطلق عليها اسم «دار السلام»، في سنة 145ه وضع الخليفة بيده أول لبنة وقال: «بسم الله، والحمد لله، الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، ثم قال: ابنوا.» قال ابن الطقطقي: «وبلغ الخراج عليها أربعة آلاف ألف وثمانمائة وثلاثين ألف درهم.»

8

ودام البناء نحو خمس سنوات، واشتغل فيها نحو مائة ألف عامل، وقد استحضر لها المنصور المهندسين والبنائين والمزخرفين من الشام والموصل والروم والجبل والكوفة وواسط والبصرة، واختار أربعة من أهل الفضل والدين والعقل والهندسة للإشراف على العمل، منهم: أبو حنيفة الإمام الأعظم، ويظهر أن المنصور قد تأثر في تخطيط مدينته بالطريقة الفارسية في تحصين المدن، وفصل أصناف السكان والابتعاد عنهم، وتصعيب الوصول إلى الحاكم، وفي سنة 150ه ابتنى المنصور مدينة الرصافة لابنه المهدي، وعمل لها سوارا وخندقا وبستانا وأجرى الماء إليها.

وأخذت دار السلام تنمو وتتسع ويعظم شأنها حتى ورثت مجد المدائن وبابل ونينوى وأور والحيرة، وسمت سموا لم تبلغه مدينة من عواصم الشرق القديم، ولما تم بناؤها حشر فيها المنصور العلماء والحكماء والفضلاء من كل فن، فقصدها الناس من كل بلد، قال الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»: «لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها وكثرة علمائها وأعلاقها؛ وتميز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها، وسعة أطرارها، وكثرة دورها ومنازلها وروابيها وشوارعها ومحالها وأسواقها وسككها وأزقتها ومساجدها وحماماتها وطرقها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها ...»

والحق أن بغداد بلغت شأنا عظيما في فترة قصيرة، وبخاصة في عهدي الرشيد والمأمون، ولم يعرف عن مدينة في الشرق القديم بلغت ما بلغته بغداد سوى القسطنطينية. (1-2) تنظيم الدواوين والإدارات العامة

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الازدهار: تاريخ الأمة العربية (الجزء الخامس)ص ٢٠