ولد في الحميمة سنة 104 ونشأ بها، وكان على جانب عظيم من الدهاء والذكاء والفهم والعزم والحلم والحياء وحسن الأخلاق، وقال ابن الطقطقي: «كان كريما حليما عاقلا، كثير الحياء حسن الأخلاق.» وقال ابن دحية: «كان السفاح كريما سخيا بالأموال، حسن الأخلاق، متألفا للرجال، ماضي العزيمة، صعب الشكيمة، ذا سطوة على الأعداء، متواضعا للأولياء والأصحاب، زاد في أعطيات الناس، وكان يأكل معهم الطعام.» وأكثر الذين تحدثوا عنه من المؤرخين وصفوه بحسن الأخلاق والحزم وقوة الشكيمة في القضاء على الثورات التي كان يقوم بها أنصار بني أمية، ولا سيما في الشام والجزيرة، وكانت حياته مليئة بحوادث الشدة والفتك، وخصوصا مع بقايا بني أمية وأحلافهم.
قال أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: «كان أبو العباس السفاح جالسا في مجلسه على سريره، وبنو هاشم دونه على الكراسي، وبنو أمية على الوسائد، وقد ثنيت لهم وكانوا في أيام دولتهم يجلسون هم والخلفاء منهم على السرير، ويجلس بنو هاشم على الكراسي، فدخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين بالباب رجل حجازي أسود راكب على نجيب ملتثم يستأذن ولا يخبر باسمه، ويحلف ألا يحسر اللثام عن وجهه حتى يراك، قال: هذا مولاي سديف يدخل، فدخل فلما نظر إلى أبي العباس وبنو أمية حوله حسر اللثام عن وجهه وأنشأ يقول:
أصبح الملك ثابت الأساس
بالبهاليل من بني العباس
بالصدور المقدمين قديما
والرءوس القماقم الرواس
يا أمير المطهرين من الذ
م ويا رأس منتهى كل راس
أنت مهدي هاشم وهداها
كم أناس رجوك بعد إيناس
لا تقيلن عبد شمس عثارا
واقطعن كل رقلة وغراس
أنزلوها بحيث أنزلها الله
بدار الهوان والإتعاس
خوفهم أظهر التودد منهم
وبهم منكم كحز المواسي
أقصهم أيها الخليفة واحسم
عنك بالسيف شأفة الأرجاس
فتغير لون أبي العباس وأصابه زمع رعدة، فالتفت بعض ولد سليمان بن عبد الملك إلى رجل منهم، فقال: قتلنا والله العبد، ثم أقبل أبو العباس عليهم وقال: يا بني الفواعل، أرى قتلاكم من أهلي قد سلفوا، وأنتم أحياء تتلذذون! خذوهم، فأخذتهم الخراسانية فأهمدوا إلا ما كان من أمر عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز فإنه استجار بداود بن علي واستوهبه من السفاح.»
والحق أن السفاح كان يريد أن يؤسس دولته، ولا يكون تأسيس الدول بالتسامح والرأفة، بل بالعنف والقوة، فقد كان هو حازما قويا، وكان يوصي عماله أن يكونوا كذلك، وهكذا كانوا فتاكا أشداء وخصوصا أبا مسلم وعمه عبد الله بن علي؛ فقد فتك هذا بأهل الشام فتكا ذريعا، ونبش قبور بني أمية ودرسها، وعمه سلمان بن علي فإنه قتل من أهل البصرة مقتلة عظيمة، وكذلك فعل عمه داود بن علي بأهل مكة والمدينة.
ونحب هنا أن نناقش هذا اللقب الذي أطلق على أبي العباس، وهو «السفاح» فهل صحيح أنه لقب بذلك لكثرة سفحه الدماء؟ وهل كان هذا اللقب معروفا له في زمنه أو أنه حدث بعد ذلك؟
عرفنا أن أبا العباس قد قال في خطبه الأولى: «أنا السفاح المبير»، ولكنه لم يقل ذلك مريدا به سفح أو سفك الدماء، وإنما أراد وصف نفسه بأنه معطاء جواد، سيفرق الأموال في أهل طاعته، وهذا المعنى يؤيده أصل معنى الكلمة لغويا؛ فقد كان العرب في الجاهلية يصفون الكريم بأنه «سفاح للنوق» متلاف للأموال، ولم يذكر أحد من المؤرخين القدامى الموثوق بهم كالطبري واليعقوبي وابن قتيبة والجهشياري له هذا اللقب، وإنما نجده عند كاتب متأخر هو المسعودي، ثم تناقله المؤرخون فيما بعد عن المسعودي، حينما أخذوا يطلقون الألقاب على الخلفاء العباسيين خليفة خليفة، ولما لم يجدوا لأبي العباس لقبا تلقب به إلا الكلمة التي أوردها في أول خطبة له، يقول ابن دحية (ص42 من كتابه النبراس) في حديثه عن المنصور: «هو أول خليفة لقب نفسه وهو أبو الخلفاء.» فهذا النص يبين لنا أن الخلفاء العباسيين قبل أبي جعفر؛ أي في العصر النبوي والأموي لم يكونوا يتلقبون، وأن أول من صنع ذلك هو أبو جعفر، أما من ينبغي أن يطلق عليه لقب «السفاح» حقيقة فهو عمه عبد الله بن علي؛ لأنه هو الذي فتك وسفك وسفح، حتى إنه وصف بذلك منذ القديم، إذ يقول ابن قتيبة الدينوري في معرض الحديث عنه: «ذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن علي الذي يقال له سفاح الشام.» ويسميه اليعقوبي حين يعدد أولاد علي بن عبد الله بن العباس «عبد الله الأصغر وهو السفاح».