تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46

وقد ظلت هذه المدينة - مدينة فلسطين - الرئيسية على الرغم من مكانة القدس الدينية.

47

وفي فلسطين بنى الأمويون مسجد قبة الصخرة، وهو من أروع المساجد زخرفة وفخامة في عهد عبد الملك، كما بنى عبد الملك مسجدا ضخما إلى جانب قبة الصخرة، وهو المعروف اليوم بالمسجد الأقصى، وبمسجد عمر حيث أدى عمر الصلاة.

وفي دمشق بنى الوليد مسجد دمشق الأعظم والمستشفيات الكثيرة. وفي الحجاز وسع الوليد مسجد الحرم المكي ومسجد النبي، وجعلهما من أضخم المساجد. وفي حلب بنى سليمان مسجد حلب الأعظم.

التعليم

عني المسلمون في هذا العصر بالتعليم، وكانت المساجد هي المدارس، يؤمونها لتعليم الكتاب الكريم ورواية الشعر والتراث العربي والإسلامي القديم وعلوم الأمم الأخرى. وفي هذا العصر وجدت الكتاتيب الخاصة لتعليم القرآن والقراءة والحساب لأطفال المسلمين والأميين، ويرجع عهد الكتاب إلى زمن عمر بن الخطاب. ويروى أنه جعل في المدينة رجالا يفحصون المارة، فمن وجوده غير متعلم أخذوه إلى الكتاب.

48

وإلى جانب هؤلاء الكتاتيب وجد نظام التأديب، وهو تعليم الطبقة الأرستقراطية في البيوت، كما وجد نظام تعليم البابوية، وعمر بن عبد العزيز هو الذي فكر في ذلك، وأنفذ المعلمين إلى البادية، ومنهم يزيد بن مالك الدمشقي، والحارث الأشعري، أنفذهما إلى البادية لتفقيه أهلها وتعليمهم.

49

وكما أخذت الحاضرة تبعث إلى البادية رجالا يعلمون أهلها القراءة والكتابة والدين، كذلك كانت البادية تنقل أبناء الحاضرة فتصقل مشاعرهم، وتنمي فيهم روح الفتوة والشباب، وتعلمهم أخبار أجدادهم وأشعارهم، كما كان كثير من البدو الفصحاء الرواة يقصدون الحواضر، كالبصرة والكوفة ودمشق والمربد، فيعلمون الناس، ويروون لهم أخبار الجاهلية وأشعارها.

الفنون الجميلة

اضطر الخلفاء لما أرادوا زخرفة المساجد والقصور والمشافي والحمامات إلى ترويج الفنون الجميلة من نحت وزخرفة وتصوير، ولكن لما حرم الإسلام تصوير الأشخاص فقد روى «البخاري 7: 61»: «أن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون.» وجه الأمويون عناية فنانيهم من رجال الفسيفساء والتصوير والنحت إلى إتقان الزخارف والصور الخالية من الصور الإنسانية أو الحيوانية. وإن في الآثار الباقية إلى اليوم في مساجد دمشق والصخرة وقصر الحير وخربة الفجر والمشتى وقصر عمرة، لوحات رائعة للفن الإسلامي، ولكن يظهر أنهم كانوا يشذون في بعض الأحيان، فيصورون بعض الأناس والحيوانات في قصورهم وحماماتهم.

الموسيقى

كان العرب في الجاهلية - وبخاصة أهل اليمن والحجاز - ذوي ملكات موسيقية، فلما جاء الإسلام وحرم اللهو والعبث غير البريء، انصرف الناس إلى تجويد النواحي الغنائية الباقية من قراءة القرآن والحداد والأناشيد البريئة، وكانوا يستعملون المزاهر والمزامير والدفوف. وكان الرسول والخلفاء الراشدون لا يتحرجون من استماع الغناء البريء العفيف لفظه، فلما جاء بنو أمية، وضربت الدولة بسهم وافر في الحضارة، عني بالموسيقى عناية كثيرة، ونبغ في الحجاز واليمن والشام جمهرة من متقني الغناء، وخاصة في الحجاز، حين أريد إقصاؤه عن مناوأة السياسة والحياة العامة. ومن مشاهير المغنين المسلمين طويس، وهو أول من غنى بالمدينة، ويعتبر أبا الغناء العربي (492)، ويظن أنه أول من غنى مصحوبا بآلات موسيقية، وابن سريج مولى سكينة أحد المغنين الأربعة العظام في الإسلام، وهو الذي أدخل العود الفارسي إلى بلاد العرب، وسعيد بن مسحج من مغني مكة، كان أعظم مغني عصره، فكان في الشام وفارس والروم.

50

وقد كان ببلاط دمشق في عهد الوليد الأول ويزيد الثاني والوليد الثاني جماعة من مشاهير المغنين وعلى رأسهم معبد

51

وابن سريج وحنين الحيري وغيرهم من كبار مغني العراق والحجاز.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٨٧