ويراد بها علوم الحكمة والأخلاق والفلسفة والطب والرياضيات والفلك والمنطق والكيمياء والصيدلية. وقد كان المسلمون في هذا العصر يترجمون علوم اليونان بواسطة الترجمات السريانية، ثم أخذوا يترجمون عن اليونانية بلا واسطة. وللسريان فضل كبير في إحياء العلوم اليونانية، وكان لمدارس السريان التي أسسوها قبل الإسلام في الرها وقنسرين ونصيبين فضل كبير في تخريج العلماء حتى ما بعد الإسلام. كما كان لمدارس الفرس كمدرسة جنديسابور في خوزستان، وكان العرب يقصدونها للتعليم، ومن طلابها الحارث بن كلدة، طبيب العرب الأشهر. ولما قسا الرومان على العلماء والنصارى هاجروا إلى العراق وفارس، فنشروا علوم اليونان، ولما جاء الإسلام أفاد من خبرة هؤلاء بعد أن تعلموا العربية، واعتنقوا الدين، وترجموا كتب الأقدمين، ولكن ترجماتهم الأولى كانت مشوشة، فاضطر العرب أن يعيدوها ثانية في العصر العباسي، وكان الخلط بين أفلاطون وأفلوطين كثيرا.
وقد كنا قلنا في الباب السادس من الفصل الأول: إن خالد بن يزيد عني بعلوم الأوائل والترجمة، وناقشنا أقوال من ينفي هذه القصة وأقوال مثبتيها. ونضيف هنا أن العلماء أخذوا من العصر الأموي، يهتمون بترجمة علوم الأقدمين، وبخاصة علم الطب والصيدلة والتنجيم والفلك، وقد نقل الناس عن الفرس والروم واليونان والهند والسريان، ومن مشاهير من عرف في هذا العصر الذي نؤرخه ماسرجويه البصري، طبيب مروان بن الحكم، وتيادوق الإغريقي طبيب الحجاج، وينسبون إليه ثلاثة أو أربعة كتب، ولكن لم يصل إلينا شيء منها.
43
وفي عهد عمر بن عبد العزيز أمر بنقل تدريس الطب من الإسكندرية إلى أنطاكية وحران.
44
كما أنه كان يعتمد على عبد الملك الكناني الطبيب ويطلب إليه الترجمة. وقد كان الأمويون يقدمون المساعدات للعلماء والمترجمين كعبد الملك والوليد وعمر، وكانوا يدأبون في إقامة حلقات العلم في المساجد والمحلات العامة ويحضرون بها ويناقشون فيها. (11) التدوين
قلنا: إن تدوين الكتب ابتدأ في عصر معاوية، ولم ينظم أمر التدوين إلا في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي حين ابتدأت الترجمات عن اللغات الأجنبية، ويرى المستشرق «نانلينو» أنه ربما كان كتاب أحكام النجوم لمرقس الحكيم هو أول ترجمة دونت بالعربية. وقال آخرون بل هو كتاب أهرن بن المبين في الطب، وجده عمر بن عبد العزيز في بعض خزائن الكتب، فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاه، واستخار الله في إخراجه للمسلمين للانتفاع به، فلما تم له ذلك أربعون صباحا أخرجه إلى الناس.
45
ثم تتابعت الترجمات، وكثر التدوين على يد أمثال عبد الملك بن أبجر الكناني الطبيب العالم الذي كان يقيم في الإسكندرية، ويدرس الطب فيها، فأسلم على يدي عمر بن عبد العزيز، ونقله إلى الشام، ومثل عبد الحميد بن يحيى الكاتب الأديب الأشهر (؟-132)، ومثل جبلة بن سالم، كاتب هشام بن عبد الملك الذي نقل له بعض كتب التاريخ القديم ورسائل أرسطوطاليس، ومثل قيس بن قنان بن متى، كاتب عبد الملك بن مروان وابنه هشام. وقد كان أبوه كاتبا لمعاوية ومترجما، ومثل الحصين بن قيس بن قنان، كاتب مروان، ومثل أسامة بن زيد التنوخي، كاتب الوليد بن عبد الملك، وغيرهم من النصارى الشاميين، الذين اضطلعوا بعبء التدوين في هذه الحقبة. (12) مجالي الحضارة
خطت الأمة العربية في هذا العهد خطوات عجيبة في مضمار الحضارة في المعاش والمسكن والسوق والمدنية، وازدهرت القصور والدور والمساجد والأسواق والمزارع لعناية الأمويين بذلك، وتدفق الأموال عليهم، ويمكننا إجمال القول في ذلك بما يلي:
البناء
عني بنو أمية بالعمران، فشادوا المدن والقصور والمساجد في كافة أرجاء إمبراطوريتهم الواسعة؛ ففي فلسطين ابتنى سليمان بن عبد الملك مدينة الرملة على أنقاض مدينة قديمة، واتخذها مقرا، ولا تزال منارة المسجد باقية إلى أيامنا هذه ، تشهد بإتقان البناء وفخامته.