1
والحق أن ظهور الدولة بمظهر الفخامة في هذا العهد الأموي قد جعلها تهتم بالكتابة والعلم للأسباب الآتية: (1)
اتساع رقعة البلاد اتساعا عظيما، اضطر الخلفاء إلى اتخاذ الكتاب العديدين والتراجمة. (2)
ميل الخلفاء إلى رفع شأن الخلافة والإسلام وتقوية مركزهما في العالم المتمدن. ولا شك في أن العلم والفن هما من أقوى دعائم الحضارة. (3)
اختلاط العرب بالطبقة المثقفة من أبناء الأمم المفتوحة من أهل الشام وفارس ومصر والأندلس. قال عبد الملك بن مروان في وصف الزعيم الشامي الخطيب العالم المشهور روح بن زنباع الجذامي إنه: «شامي الطاعة، عراقي الخط، حجازي الفقه، فارسي الكتابة.»
2
وصفوة القول هي أن بني أمية في هذه الفترة قد خطوا خطوات مفيدة في ترقية علوم الدين والأدب والفن والعلم - كما يتجلى ذلك فيما يلي: (1) القرآن
عني المسلمون منذ عصر الراشدين بالقرآن الكريم ومدارسته، وكانت مساجد دمشق ومكة والمدينة والبصرة والكوفة والفسطاط والقيروان، أمكنة لدراسة الكتاب العزيز وتفهم معانيه وقراءاته ورواياته. وقد نبغ في هذه الأمكنة أئمة شرق ذكرهم وغرب في معرفة قراءة القرآن ورواياته، وأجلهم «القراء» السبعة الذين يرجع إليهم المسلمون إلى اليوم في قراءة القرآن وهم: (1)
عبد الله بن كثير (؟-120) المكي، وهو من الأئمة الفقهاء ومتقني القراء، تولى قضاء مكة، فيها نشأ وفيها مات.
3 (2)
عاصم بن أبي النجود (؟-128) هو شيخ قراء الكوفة، أخذ القراءة عن أبي عبد الرحمن السلمي وزر بن حبيش، وكان من المحدثين الثقات.
4 (3)
عبد الله بن عامر اليحصبي (؟-118) قارئ دمشق وقاضيها في خلافة عبد الملك.
5 (4)
يزيد بن القعقاع (؟-132) شيخ قراء المدينة ومفتيها.
6 (5)
حمزة بن حبيب الزيات التميمي (؟-156) من قراء الكوفة وعالمها وزاهدها. قال الثوري: ما قرأ حمزة حرفا من كتاب الله إلا بأثر.
7 (6)
أبو عمرو بن العلاء (؟-155) من قراء البصرة وأئمة العربية والأدب فيها. قال أبو عبيدة: كان أعلم الناس بالأدب والعربية والقرآن والشعر. (7)
نافع بن عبد الرحمن (؟-169) من قراء المدينة وفقهائها الأجلاء الزهاد.
قال ابن خلدون في المقدمة، ص517: القرآن هو كلام الله المنزل على نبيه، المكتوب بين دفتي المصحف، وهو متواتر بين الأئمة، إلا أن الصحابة رووه عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
على طرق مختلفة، في بعض ألفاظه، وكيفيات الحروف في أدائها، وتنوقل في ذلك واشتهر إلى أن استقرت منها سبع طرق معينة، تواتر نقلها أيضا بأدائها، واختصت بالانتساب إلى من اشتهر بروايتها من الجم الغفير، فصارت هذه القراءات السبع أصولا للقراءة، وربما زيد بعد ذلك قراءات أخر لحقت بالسبع.
8
وقد كانت علوم القرآن وقراءاته في هذا العصر غير واضحة المعالم ولا بينة التفاريع، إلى أن جاء العصر العباسي، فوضحت معالمها وألفت فيها الكتب الأمهات. (2) الحديث
نبغ في هذه الفترة جمهرة من أئمة علماء الحديث النبوي، الذين أخذوا ينتقلون في أجزاء المملكة الإسلامية، يجمعون أحاديث النبي من الصحابة الذين أدركوه، أو من التابعين الذين سمعوها من آبائهم الصحابة. وقد كان للرحلات في طلب الحديث النبوي أخبار كثيرة في كتب الأدب والتاريخ. ولا شك في أن بعض هؤلاء المحدثين كانوا يدققون في جمع الحديث، ولا يتساهلون في النقل. كما أنه قد وجد بينهم جماعات رووا بعض الأحاديث الموضوعة على لسان الرسول إما جهلا منهم أو عمدا، تأييدا لفكرة أو إشارة إلى حدث، وخصوصا أثناء الفتن أو بين أصحاب الفرق، ولكن علماء الحديث الثقات كانوا بالمرصاد لهؤلاء المغرضين والدساسين والجهلة. وقد كان هؤلاء المحدثون في العصر الراشدي والأموي الأول يروون أحاديثهم رواية، وقد يدونها بعضهم في أوراق وكناشات. أما تصنيف الكتب فيها فيقال: إن أول من فعل ذلك هو محمد بن مسلم بن عبيد الله المعروف بابن شهاب الزهري، التابعي الفقيه الجليل (؟-124).