ثم إن التسامح الديني الذي كان يتحلى به الأمويون بصورة عامة، جعل ذوي الكفاءات والمزايا من نصارى الشاميين والحلبيين والحمصيين والحمويين والأنطاكيين يلتقون حول سور الدولة، فيشيدونه ويرفعونه ويزخرفونه. (1) الخلافة
قلنا إن معاوية ثم يزيد قد سلكا بالخلافة مسلكا جديدا، لم تكن عليه في عهد الرسول أو خلفائه الراشدين، فحولاها من طور ابتدائي عربي ساذج قريب من النفسية البدوية، إلى طور ثانوي أعجمي معقد، قريب من الأساليب البيزنطية والفارسية والقبطية. ولقد ازداد هذا التعقيد حين توسعت أرجاء الخلافة الأموية إلى إمبراطورية واسعة تمتد من بلاد الهند وحدود بلاد الصين الواسعة شرقا إلى شواطئ المحيط الأطلسي وشمال إفريقية غربا، وتسيطر على جميع بلاد الإمبراطورية المقدسة، والمقاطعات الشرقية والإمبراطورية الرومانية، ما عدا آسية الصغرى، وقد استمد الخليفة الأموي في هذه الفترة عظمته الدنيوية والحضارة من عظمة هذه الرقعة الجبارة الواسعة، الممتدة من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، والمسيطرة على أغنى بقاع الأرض المعروفة، وأكثرها حضارة وعلما وأنظمة وقوانين.
ولما انقضى العهد الأموي الأول، وحل العهد الثاني انتظمت شئون الخلافة من حيث المظاهر والتراتيب، وخصوصا بعد عهد عبد الملك وابنيه الوليد وسليمان. وانقضى العهد الأموي والخلافة مستوفية لكل مظاهر الفخامة والسلطان وما يتبعها من أساليب الحكم.
أما من حيث نظام الخلافة ووراثتها فإن الأمر لم يستقر على شيء؛ فقد وجد في العصر الأموي ثلاثة منازع مختلفة: (1)
المنزع الإسلامي، الذي يقضي بجعل أمر الخلافة شورى بين المسلمين، يختارون لها الأصلح والأكمل. (2)
المنزع القبلي الجاهلي، الذي يجعل الخلافة كمشيخة القبيلة الجاهلية، لا يختار لها إلا الكفء المسن المجرب الكامل. (3)
المنزع الوراثي، الذي تتناقل فيه الخلافة من الأب إلى ابنه.
وقد رأينا أن معاوية الأول قد نزع بها المنزع الثالث، فعهد بها إلى ابنه يزيد، وأجبر الناس على ذلك، أما حفيده معاوية الثاني الذي كان قدريا ميالا إلى الاعتزال، فنزع إلى المنزع الأول فتركها للمسلمين، وانتقد أباه وجده، وخطب الناس في ذلك يقول: «إن جدي معاوية نازع الأمر من كان به أولى وأحق، ثم تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به.»
1
ورفض أن يعهد لأخيه خالد، ولما ألح عليه بنو أمية بها قال لهم: «لا والله، ما سعدت بحلاوتها فكيف أشقى بمرارتها».
2
ثم جاء سليمان بن عبد الملك فنزع إلى المنزع الثاني، وعهد بها إلى شيخ بني أمية وأعقلهم وأفضلهم، وهو عمر بن عبد العزيز، ولم يعهد بها إلى أخيه أو ابنه.
ومما هو جدير بالملاحظة أن الخلافة قبل أن يأخذها عبد الملك، ويفرض سلطانه بالقوة كانت منقسمة بين المنازع الثلاثة: فابن الزبير يمثل المنزع الإسلامي، ومروان بن الحكم يمثل المنزع القبلي، وخالد بن يزيد يمثل المنزع الوراثي. ومهما يكن من شيء فإن العصر الأموي انتهى، ولم تستقر الخلافة على منزع من المنازع الثلاثة إلى أن جاء بنو العباس، فسلكوا بها المنزع الوراثي الصرف. (2) الوزارة والكتابة
لم يتخذ الأمويون في عهديهم الأول والثاني وزيرا بالشكل الذي رأيناه في العصر العباسي، وإنما كان لهم كتاب وحساب، يتولون الكتابة لهم، وقد أضحت الكتابة في هذا العهد صناعة لها عادات وتقاليد، وبعد أن كان الكاتب في العصر النبوي وعصر الخلفاء الراشدين، يتولى كتابة الرسائل التي تملى عليه، والحسابات وضبط ديوان الدولة ومراسلاتها، صار في هذا العصر يتولى مهام شئون الدولة وينشئ رسائلها، ويشترط فيه أن يكون ذا ثقافة واسعة في العربية وآدابها، مطلعا على سير الأولين، وأخبار الأقدمين وأحوالهم وسياساتهم. وقد كان يسمى الكاتب وزيرا أو صاحب السر، وقد نبغ في هذا العصر جماعة من أمناء السر، نذكر منهم أبا العلاء سالم بن عبد الله، كاتب هشام بن عبد الملك، والوليد بن يزيد، وقد رووا أنه نقل بعض رسائل أرسطو إلى الإسكندر من اليونانية إلى العربية، وأن له مجموعة رسائل في مائة ورقة.