فشو روح العصبية القبلية بين القبائل العربية الحاملة لواء الدولة الأموية، وقد ظهرت هذه الروح بعد موت يزيد بن معاوية بشكل واضح، ولكن الحزب الأموي كان قويا ، فلم تستطع هذه العصبية أن تضعضع أركان الدولة، وكان الخلفاء الذين خلفوا يزيد إلى عهد عمر بن عبد العزيز أقوياء أشداء، يستطيعون أن يقفوا أمام كل عاصفة. أما بعد عمر فقد تبدلت الحال وضعفت الدولة، وبرزت روح العصبية جلية بين المضرية واليمانية أو عرب الشمال وعرب الجنوب، ولما كان الخليفة من عرب الشمال كان يتحيز لهم، فتطورت الأمور تطورا قبيحا.
وإن من أبرز الفتن بين الجانبين فتنة يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، وقد رأينا أن عمر بن عبد العزيز كان سجنه إطفاء لشعلة الفتنة، ولكنه استطاع أن يفر من سجنه بحلب ويقصد البصرة، وخاف عمر يزيد وكان يكره ابن المهلب؛ لأنه تولى تعذيب آل الحجاج أصهار يزيد؛ إذ كان متزوجا أم الحجاج ابنة محمد بن يوسف الثقفي، فخاف ابن المهلب على نفسه وآله، وأعلنها ثورة كبرى لليمانية على المضرية، وعظم سلطان ابن المهلب وكثر عدد جيشه، وجرت بينه وبين جيش الخليفة معارك قطعت أوصال العرب، وأعادت روح العصبية جذعة، وفتكت بنخبة من زهرات بيوتاتهم العريقة كآل المهلب الذين لهم سابقة في نصر الإسلام ونشر العربية والفتوح، وغيرهم من البيوتات اليمنية التي حقدت على المضريين، وأخذت تعمل على تهديم ملكهم، على الرغم من أن بعض الخلفاء كهشام بن عبد الملك.
2
انضموا إلى اليمانية على المضرية، وكان لتدخل الخلفاء وتحيزهم آثاره السيئة سواء كانوا مع هؤلاء أو مع أولئك، وقد انتقلت عداوات الجانبين معهما إلى الأمصار التي فتحوها كخراسان ومرو وما وراء النهر والأندلس، فلقيت هذه البلاد من الجانبين ويلات وآثاما، كما لقي الأمويون أنفسهم منذ عهد الوليد بن يزيد إلى انقضاء دولتهم كثيرا من المشاكل والفتن، ولعل قول الحارث بن عبد الله الحشرج الجعدي، يصور لنا أحسن تصوير تلك الفتن حين يقول:
أبيت أرعى النجوم مرتفقا
إذا استقلت تجري أوائلها
من فتنة أصبحت مجللة
قد عم أهل الصلاة شاملها
من بخراسان والعراق ومن
بالشآم كل شجاه شاغلها
فالناس منها في لون مظلمة
دهماء ملتجة غياطلها
يمضي السفيه الذي يعنف بالج
هل سواء فيها وعاقلها
والناس في كربة يكاد لها
تنبذ أولادها حواملها
يغدون منها في كل مبهمة
عمياء تمنى لها غوائلها
لا ينظر الناس في عواقبها
إلا التي لا يبين قائلها
كرغوة البكر أو كصيحة حب
لى طرقت حوالها قوابلها
فجاء فينا أزرى بوجهته
فيها خطوب حمر زلازلها
3 (8)
كره الموالي للعرب عامة ولبني أمية خاصة؛ لأنهم أقصوهم عن الملك، فانبعثت روح الشعوبية، وحميت الأقلام كما حميت السيوف، فاستعان رجال القلم برجال الحرب، وتطورت الأمور من حال إلى حال حتى عم البلاء واسودت الدنيا. (9)
قيام بعض الأحزاب والحركات من دينية وسياسية، كالخوارج والشيعة العلوية والشيعة العباسية والمعتزلة، وغير ذلك مما سنعرض له بعد.
الفصل الثاني عشر
| في التنظيمات والتراتيب الإدارية
في العهد الأموي الثاني
مقدمة
قلنا في مقدمة الباب الخامس من الفصل الأول: إن ديار الشام كانت قبل الفتح الإسلامي ديارا ذات حضارة وتراتيب إدارية، فلما جاء الإسلام جمدت تلك الأوضاع على حالتها الأولى بعد عهد الفتح، فلما أن دخلها معاوية واتخذها عاصمة ملكه، أخذت الأوضاع المدنية القديمة للبلاد تبرز من جديد في هذا العهد الجديد، واستعان معاوية ومروان وأخلافهما بذوي المقدرة والكفايات الجليلة في إدارة البلاد وحكمها وخراجها بالمقدار الذي تسمح لهم به الظروف والأحوال آنئذ، وقد استمر هذا التعاون الحضاري طول العصر الأموي، وبخاصة حين كثر المسلمون من أهل الشام الأصليين، فأخذوا يحتلون مرافق الدولة، وبخاصة حين عرب عبد الملك دواوين الدولة، وسار بها سيرة جديدة، وكان لتسامح الخليفة عمر بن عبد العزيز أثر كبير في تنشيط العناصر غير المسلمة، وتشجيعها على بذل قصاراها في خدمة الدولة، والقيام بمصالحها كما سنرى بعد.