تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بشر بن صفوان الكلبي، من شجعان العرب وذوي الرأي والحزم، كان من رجال بني أمية، قربه سليمان، ولاه يزيد بن عبد الملك مصر في سنة 101، ثم أضاف إليه إفريقية سنة 102ه، فأقام في القيروان، وله أعمال عمرانية كثيرة، غزا صقلية وغيرها، ومات سنة 109ه.

الفصل الرابع

| عمر بن عبد العزيز

99-101ه/717-720م (1) أوليته

هو أبو حفص عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم القرشي الأموي، وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكان من فتيان أبي أمية عقلا ونبلا، تلقى العلم عن شيوخ المدينة: أنس بن مالك، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وسعيد بن المسيب وغيرهم، وبعثه أبوه إلى مصر ليتأدب بها، فكان يختلف إلى عبد الله بن عبيد الله يسمع منه، ولما مات أبوه طلبه عمه عبد الملك إلى دمشق، وزوجه ابنته فاطمة، وكان قبل خلافته يبالغ في التنعم، ويفرط في الاختيال في المشية.

1

فلما استخلف زهد وترك كل ذلك، قال أنس بن مالك: ما صليت خلف إمام أشبه برسول الله من هذا الفتى؛ عمر بن عبد العزيز. (2) خلافته

رأينا أنه لما مرض سليمان بن عبد الملك، قال له رجاء بن حيوة - شيخ أهل الشام في عصره - أن استخلف عمر بن عبد العزيز، فكتب سليمان عهده لعمر، ودعا أهل بيته وقال لهم: بايعت لمن عهدت إليه في هذا الكتاب - ولم يسمه لهم - فبايعوا، ولما مات سليمان جمع رجاء رجال بني أمية، وهو يكتم موت الخليفة، وطلب إليهم أن يجددوا البيعة فجددوها، ثم أعلم بموت سليمان وبخلافة عمر، فقبلوا كلهم إلا سعيد وهشام ابنا عبد الملك، فإنهما أعلنا سخطهما، وأخذا يكيدان لعمر.

ولي عمر الخلافة في صفر سنة 99، فسار بالناس سيرة الخلفاء الراشدين عدلا وإنصافا ورأفة، حتى اعتبر المسلمون والنصارى عهده عهدا ممتازا، وكان باكورة أعماله أن ألغى سب الإمام علي بن أبي طالب من على المنابر أيام الجمع، وكان ذلك سنة سيئة ابتدعها معاوية؛ ليقرر في أنفس الناس أن بني هاشم لا حظ لهم في هذا الأمر، وأن سيدهم الذي به يصولون وبفخره يفخرون، هذا حاله وهذا مقداره، فيكون من ينتمي إليه ويدلي به عن الأمر أبعد، وعن الوصول إليه أشحط وأنزع.

2

على أن الطالبيين من جانبهم كانوا يقنتون عقب كل صلاة، ويلعنون أيضا بني أمية.

3

وأول عمل سياسي قام به عمر استدعاؤه الجيش من بلاد الروم، فقد بلغه ما أصابهم هناك، وأمر مسلمة بن عبد الملك أن يعود بمن معه من المسلمين، ووجه إليه خيلا وطعاما، وحث الناس على معونتهم، ثم إنه عزل يزيد بن المهلب عن العراق، وولى البصرة عدي بن أرطاة الفزاري، والكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وولى الجراح بن عبد الله الحكمي على خراسان، وقام بإصلاحات كثيرة كانت لخير الإسلام، وإن كانت قد أضرت بيت مال المسلمين، فقد رفع الجزية عمن أسلم من أهل الذمة، وخفف الضرائب عن المسلمين، وبخاصة عن الفرس الذين كانت بنو أمية ترهقهم، وكان يقول لعماله: إن الله بعث محمدا

صلى الله عليه وسلم

هاديا ولم يبعثه جابيا.

4 (3) الفتن والحوادث الكبرى في عهده

فتنة الخوارج

كان من نتائج سياسة اللين التي اتبعها أن ثارت بعض العناصر التي كانت قابعة أيام بني أمية كالخوارج والعباسيين؛ ففي سنة 100 خرج شوذب الخارجي - واسمه بسطام اليشكري - في جوخى، فكتب إلى عامله على الكوفة ألا يصيبهم بأذى إلا إذا سفكوا دما، أو أفسدوا في الأرض، وكتب إلى بسطام يقول له: بلغني أنك خرجت غضبا لله ولرسوله، ولست أولى بذلك مني، فهلم إلي أناظرك، فإن كان الحق بأيدينا دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن كان في يدك نظرنا في أمرك. فبعث إليه بسطام رجلين، فقدما على عمر بخناجره، فقال لهما: ما أخرجكما هذا المخرج؟ فقال أحدهما: ما نقمنا سيرتك؛ إنك لتتحرى العدل والإحسان، فأخبرنا عن هذا الأمر، أعن رضى من الناس ومشورة أم ابتززتم أمرهم؟ فقال عمر: ما سألتهم الولاية عليهم ولا غلبتهم عليها، وأنتم ترون الرضا بكل من عدل وأنصف، فإن خالفت الحق ورغبت عنه فلا طاعة لي عليكم. ثم طال الجدل بينه وبينهما، وقد حفظ لنا ابن الأثير محضر تلك الجلسة التي انتهت بأن اقتنع أحد الرجلين، وبقي عند عمر، ولم يقبل الثاني فذهب، وأخذ بسطام وجماعته يفسدون في الأرض، فبعث إليهم عمر بن عبد العزيز، مسلمة بن عبد الملك في جيش من أهل الشام، فأظهره الله عليهم.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٥٢