قال: ولم تفعل هذا؟
قال: نحن بأرض جواسيس العدو بها كثيرة، فيجب أن نظهر من عز السلطان ما نرهبهم به، فإن أمرتني فعلت، وإن نهيتني انتهيت. فقال عمر لمعاوية: ما أسألك عن شيء إلا تركتني في مثل رواجب الفرس، إن كان ما قلت حقا إنه لرأي أريب، وإن كان باطلا إنه لخدعة أديب.
قال: فمرني يا أمير المؤمنين.
قال: لا آمرك ولا أنهاك.
فقال عمرو: يا أمير المؤمنين ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته.
قال: لحسن مصادره وموارده جشمناه ما جشمناه.
11
ومات عمر ومعاوية أمير على البلقاء، والأردن، وفلسطين، والسواحل، وأنطاكية ومعرة مصرين، وقليقية، ودمشق.
12
ولما مات عمر واستخلف عثمان، أقر معاوية على عمله وولاه الشام كله.
وفي سنة 27 أو 28ه غزا معاوية قبرص، وهو أول غزو للروم
13
ورجع عنها صلحا.
وفي سنة «30ه» أجلى معاوية أبا ذر عن الشام إلى المدينة؛ وسبب ذلك أن أبا ذر انتقد إدارة معاوية، واحتجازه الأموال دون المسلمين، فأخذ يثير الناس عليه، فكتب معاوية إلى عثمان يخبره، فكتب إليه: جهز أبا ذر وابعث معه دليلا، وزوده وارفق به، وكفكف الناس ونفسك ما استطعت. فبعث بأبي ذر، فلما أتى عثمان قال له: يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذرا؟
فأخبره أنه لا ينبغي أن يقال «مال الله»، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا، فقال: يا أبا ذر علي أن أقضي ما علي، وآخذ ما على الرعية، ولا أجبرهم على الزهد، وأن أدعوهم إلى الاجتهاد والاقتصاد.
قال: أفتأذن لي بالخروج، فإن المدينة ليست لي بدار، فأذن له فخرج إلى الربذة، فخط بها مسجدا، وأقطعه عثمان صرمة من الإبل، وأعطاه مملوكين وأرسل إليه أن تعاهد المدينة حتى لا ترتد أعرابيا.
14
وإنما قام أبو ذر بحركته متأثرا بتحريض عبد الله بن سبأ، وهو يهودي يمني أظهر الإسلام، وأخذ يتنقل في الحجاز والعراق ومصر والشام، ويعمل على إفساد أمر الإسلام. وقد استمر أبو ذر في تحريض الناس على عثمان إلى أن وقعت الفتنة التي ذهب عثمان ضحيتها.
15
وفي سنة 31 خرج أهل الشام، وعليهم معاوية، وعلى البحر عبد الله بن سعيد، وخرج عامئذ قسطنطين بن هرقل لما أصاب المسلمون منهم بإفريقية في جمع لم يجتمع مثله قط مذ كان الإسلام، فخرجوا في خمسمائة مركب، فربط المسلمون سفنهم بعضها إلى بعض، حتى كان يضرب بعضهم بعضا على سفن المسلمين وسفن الروم، وقاتلوهم أشد قتال، ووثبت الرجال على الرجال يضطربون بالسيف على السفن ويتواجئون بالخناجر، حتى رجعت الدماء إلى الساحل تضربها الأمواج، وطرحت الأمواج جثث الرجال ركاما، ثم انتصر المسلمون وانهزم قسطنطين مدبرا، فما انكشف إلا لما به من القتل والجرح.
وفي سنة 32ه غزا معاوية الروم بحرا، بلغ مضيق القسطنطينية ورجع عنها.
16
ولما قتل عثمان في 18 ذي الحجة سنة 35ه، وبايع الناس عليا امتنع معاوية من مبايعته، فقد كتبت نائلة امرأة عثمان إلى معاوية كتابا، تخبره فيه في أمر عثمان ومقتله، وتعلمه أن أهل مصر أسندوا أمرهم إلى علي وابن أبي بكر وعمار، فأمروهم بقتله، وبعثت بقميصه إليه، فثار أهل الشام وقالوا: والله لنقتلن عليا.
17
ثم إن عليا ولى على الشام سهل بن حنيف، وسار سهل إلى الشام، فلقيته عند تبوك خيل أهل الشام، فقالوا: من أنت؟ قال: أمير. قالوا: على أي شيء؟ قال: على الشام. قالوا: إن كان بعثك عثمان فأهلا بك، وإن كان بعثك غيره فارجع.
قال: أوما سمعتم بالذي كان؟
قالوا: بلى.
فرجع إلى علي فاشلا.
18
وإذا أردنا أن نعقب على مقتل عثمان، فلا بد لنا من استفظاع هذا الحادث؛ لأن قتل خليفة شيخ بهذا الشكل هو حادث إجرامي فظيع، كان على أهل المدينة أن يمنعوا وقوعه، وإن فتورهم في الدفاع عن الخليفة المحصور لفتور مخز يدل على تفسخ. ومهما كانت المسوغات للثورة على عثمان، فإن عقلاء المدينة ورجالاتها كانوا يستطيعون تلافي الأمر، ولكنهم تواكلوا وتخاذلوا؛ فإن الثوار حين قدموا إلى المدينة - وكان أكثرهم من عرب مصر - ورفعوا شكواهم إلى الخليفة لسوء تصرفه وفساد عماله، فوعدهم بأن يزيل أسباب الشكوى، وبينما هم عائدون إلى بلادهم، إذ يرجعون إلى المدينة ومعهم كتاب عثروا عليه، وفيه يطلب الخليفة من عامله على مصر أن يفتك بهم، فأنكر الخليفة ذلك الكتاب، ثم تبين أن الذي كتبه هو مروان بن الحكم كاتب الخليفة. فاشتط الثوار على عثمان في القول، وقالوا له: إن كان كاتبك يكتب باسمك وأنت لا تدري، فأنت لست بخليفة، ولا أهل لها. ثم طالبوه أن يخلع نفسه فأبى، وقال: لا أنزع سربالا سربلنيه الله. وقد أخطأ عثمان في قوله، فقد كان ينبغي عليه أن يتخلى ويترك الأمر للمسلمين، ولكن تقاعس أهل المدينة وتشتت رأيهم جعل الخليفة يقف هذا الموقف. ثم تطور الأمر إلى قتله بيد كنانة بن بشر التجيبي اليمني في 18 ذي الحجة سنة 35. ولا شك كان قتله حادثا فظيعا جعل المسلمين ينقسمون معه وعليه، كما أن أهله وقبيلته من بني أمية ستطالب بدمه، وستعمل على الانتقام من قتلته، ومن أهل المدينة الذين أسلموه.