تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما لقي ربه بايعه الناس، وكان أول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة، قال له: ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، وقتال المخلين. فقال الحسن: على كتاب الله وسنة نبيه، فإن ذلك يأتي من وراء كل شرط. ثم خرج إلى المدائن، وبعث قيس بن سعد في اثني عشر ألفا، وأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل في مسكن.

3

ولم يلبث الحسن أن يصل إلى المدائن، حتى نادى مناد أن قيس بن سعد قد قتل. فنفر الناس، ونهبوا سرادق الحسن، حتى نازعوه بساطا كان تحته، وخرج الحسن حتى لجأ إلى المقصورة البيضاء في المدائن، ثم بعث إلى معاوية يطلب الصلح، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر، وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب، فأعطياه ما أراد، وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف وأشياء أخرى اشترطها.

4

وكان الحسن كارها لذلك كله، ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس، وكان ذلك لخمس بقين من ربيع الأول سنة 41ه بمحضر الحسنين اللذين غادرا الكوفة إلى المدينة. ولم يلبث الحسن أكثر من شهرين حتى مات.

وأخذ معاوية يرتب أمور العراق، فولى البصرة عبد الله بن عامر، وطلب إليه أن يستمر في حرب سجستان وخراسان، وقفل هو إلى الشام، فغزا بلاد الروم وهزمهم، وقتل جماعة من بطاركتهم.

5

واستقرت له الأمور. (2) خلافة معاوية 40-60ه/660-680م

هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان أمية من سادات قريش وتجارها، كثير المال والجاه، وكان ابن حرب قائد قريش يوم الفجار، وكان أبو سفيان من أشياخ مكة، أسلم في السنة التي فتح فيها الرسول مكة، قائد حروب قريش ضد النبي، وهو صاحب العير التي قدمت من الشام إلى مكة، والتي من أجلها وقعت غزوة بدر الكبرى، وكان التنافس بين هاشم بن عبد مناف، وأخيه عبد شمس بن عبد مناف قديما منذ الجاهلية، ولهذا لا عجب أن استمر هذا التنافس بينهما في الإسلام.

ولد معاوية بمكة قبل الهجرة بخمس عشرة سنة، فنشأ نشأة فتيان قريش، وكان كاتبا مجيدا وفصيحا، جوادا وعاقلا حكيما، وحليما وقورا.

6

قال قبيعة بن جابر الأسدي: صحبت عمر بن الخطاب، فما رأيت رجلا أفقه فقها، ولا أحسن مدارسة منه، ثم صحبت طلحة بن عبيد الله، فما رأيت رجلا أعطى للجزيل من غير مسألة منه، ثم صحبت معاوية، فما رأيت رجلا أحب رفيقا ولا أشبه سريرة بعلانية منه.

7

أسلم يوم الفتح سنة 8ه هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند، وله من العمر 23 سنة فاتخذه الرسول كاتبا، وقال المدائني: كان زيد بن ثابت يكتب الوحي، وكان معاوية يكتب للنبي فيما بينه وبين العرب.

8

ولما بعث أبو بكر الجيوش الأربعة

9

إلى الشام ولى أحدها يزيد بن أبي سفيان، كان معاوية في ذلك الجيش. وفي عهد عمر أقر يزيد في قيادته. ولما اجتمعت الجيوش الأربعة في اليرموك بقيادة خالد جعل أبا عبيدة في القلب، وعلى الميمنة عمرو بن العاص، وعلى الميسرة يزيد، فظفر المسلمون ثم حاصروا دمشق وفتحوها سنة 13ه، واتجهوا إلى «إيليا» القدس فحاصروها، وقدم عمر ففتحت على يديه في سنة 16ه، وعهد عمر بإمارة دمشق إلى يزيد بن أبي سفيان لما أبلاه في الفتح. ولما صار يزيد إلى دمشق ولى أخاه معاوية غزو قيسارية، ففتحها في شوال سنة 19ه. ولما مات يزيد في ذي الحجة سنة 19ه، وكان مستخلفا أخاه معاوية على دمشق، فأقره عمر على ذلك، وجعل له ألف دينار في الشهر.

10

وكان عمر يحبه ويعجب بإدارته وحكومته. وروى ابن عبد البر أن عمر لما دخل الشام ورأى معاوية قال: هذا كسرى العرب. وكان قد تلقاه معاوية في موكب عظيم، فلما دنا منه قال له: أنت صاحب الموكب العظيم؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين.

قال: مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟!

قال: مع ما يبلغك من ذلك.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٢