تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى ابن عبد البر في التمهيد أنه اختلف في أول من استقضى، فقال العراقيون: عمر، وأنه بعث شريحا إلى الكوفة قاضيا، وبعث كعب بن سوار إلى البصرة. وقال مالك: أول من استقضى معاوية، وأول قاض بالبصرة إياس بن صبيح الحنفي.

أقول: ويظهر من هذه الأقوال أن نظام القضاء بالمعنى المفهوم بدأ في عهد عمر، ثم انتظم في عهد معاوية، أما في عهد الرسول وعهد أبي بكر، فقد أسند القضاء إلى عمر، وظل سنتين لا يأتيه متخاصمان لما عرف به من الشدة، وفي عهد عمر وعثمان كان علي ونفر من كبار الصحابة يتولون قضايا المسلمين، وفي عهد عمر فتحت الأمصار الإسلامية، فعهد بالقضاء في كل مصر إلى بعض الفقهاء من أهل الرأي والاجتهاد. وكثيرا ما جمع الخراج والقضاء لرجل واحد، وربما عهد عمر لعامله أن يولي القضاة إذا كانت ولايته عامة؛ أي إنها ولاية على الخراج والصلاة معا. ومن قضاة عمر أبو الدرداء، ولاه قضاء المدينة، وشريح بن الحارث استقضاه على الكوفة، وأبو موسى الأشعري استقضاه على البصرة، وعثمان بن أبي العاص استقضاه بمصر. ولما ولي عثمان وعلي استمر القضاء وشئونه كما كان في عهد عمر، إلا أن عليا كان كثيرا ما يقضي بنفسه.

فلما ولي معاوية جعل لصاحب القضاء مكانا خاصا يجلس فيه للحكم بين الناس ، وحل خصوماتهم الشرعية والمدنية، وجعل له كاتبا يكتب الوثائق، ويسجل الأحكام في سجل خاص، ويكتب إلى صاحب الشرطة أو المحتسب لتنفيذ حكم الشرع، وهذه أمور استحدثت في عهد معاوية؛ لتوسع رقعة الدولة، وكثرة قضايا الناس وتشابك مصالحهم. وكان القاضي ينظر في المظالم وقضايا الاحتساب، وربما جعل للمظالم قضاة مستقلين عن قضاة الحقوق، كما يجعل للحسبة صاحبا مختصا بها وحدها.

والفرق بين القاضي والمحتسب وصاحب المظالم، أن الأول هو الذي يقضي بين الناس، ويحل المشاكل المتعلقة بأمور الدين، بينما يهتم المحتسب بالفصل فيما يتعلق بالحقوق العامة، وأمر آداب الطريق وحقوق الأسواق وما إليها، وصاحب المظالم هو الذي يفصل فيما يستعصي على القاضي والمحتسب معا.

31

وقد كان غير المسلمين من أهل الذمة يتمتعون باستقلال قضائي كنسي خاص بهم، يتولاه رؤساء أديانهم من نصارى أو يهود أو غيرهم.

الشرطة

من متعلقات القضاء هي السلطة التنفيذية التي تتولى الإشراف على تنفيذ الأحكام القضائية، وفرض العقوبات الزاجرة قبل حدوث الجرائم، وإقامة الحدود الثابتة في محالها، ويحكم صاحبها في القود والقصاص، ويقيم التعزير والتأديب في حق من لم ينته عن الجريمة. وقد كان الخلفاء الراشدون والأمويون يولونها الوجوه والعدول والثقات، ويقال: إن أول من اتخذها عثمان.

32

ثم استمر الخلفاء بعده في اتخاذها. (9) العاصمة والسكان

لم نعثر فيما بين أيدينا من نصوص تاريخية على وصف لما كانت عليه العاصمة الإسلامية في عهد بني أمية، وإنما هنالك نصوص متأخرة كالذي يذكره المقدسي، وابن خرداذبة، وابن عساكر وياقوت، وإليك مجمل ذلك:

دمشق مدينة قديمة جدا، حتى قال بعضهم: إنها أقدم مدينة موجودة على ظهر الأرض، وزعم كعب الأحبار أن أول حائط وضع في الأرض بعض الطوفان حائط دمشق وحران. والأخبار كثيرة متواترة عن قدم المدينة. ومهما يكن من شيء فإن مسجدها الذي شيد بعد الفتح ووسع أيام الوليد، قد أقيم على أطلال كنيسة يوحنا المعمدان التي أقيمت على أطلال معبد للوثنيين

33

هو معبد الشمس، ويقول المطران الدبس: الأظهر أنها من بنايات الأراميين، ولد أرام بن سام، حتى يقال إن تسميتها والبلاد التابعة لها شاما نسبة إلى شام بن نوح. وقال أبو الفداء: سميت شاما؛ لأن قوما من بني كنعان تشاءموا؛ أي تياسروا إليها؛ لأنها عن يسار الكعبة.

34

وقد سكنها العرب قديما. قال الدبس: «إن فصيلة التي ظعنت من اليمن إلى سورية في القرن الثاني للميلاد على ما يظن، وظعن مع بني غسان بنو عاملة بن سبأ مع سبعة أحياء أخرى، وتوطنوا في دمشق ونواحيها.»

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع) · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الاتساق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الرابع)ص ٢٨