تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما . وقد روى جابر بن عبد الله أن أبا بكر الصديق جاء يوما إلى رسول الله يستأذن عليه والناس ببابه جلوس، والنبي جالس، فلم يؤذن له، ثم جاء عمر فاستأذن فلم يؤذن له، ثم أذن لهما ودخلا عليه وهو جالس وحوله نساؤه وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن رسول الله لعله يضحك. فقال: يا رسول الله، لو رأيت ابنة زيد - امرأة عمر - سألتني النفقة آنفا فوجأت عنقها. فضحك النبي حتى بدت نواجذه، وقال: «هن حولي كما ترى يسألنني النفقة.» فقام أبو بكر إلى عائشة يضربها، وقام عمر إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان رسول الله ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله، فقالت نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. وأنزل الله آية التخيير:

يا أيها النبي قل لأزواجك ، فبدأ رسول الله بعائشة فقال لها: «إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك.» فقالت: ما هو؟ فتلا عليها الآية، فقالت: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله ورسوله. ثم طاف رسول الله بحجر زوجاته فكلهن قلن مثل قولها ...

إن هذه القصة تدلنا على أن الرسول الكريم كان شديد الزهد في مفاتن الدنيا ومباهجها ومتعها وملاذها، وأنه كان يريد أن يجعل أهل بيته كنفسه، ويظهر أنهن لما اشتدت عليهن قسوة تلك الحياة الخشنة لجأن إلى الإلحاف، فلجأ هو

صلى الله عليه وسلم

إلى فكرة الطلاق، ثم كان ما كان مما رأيت. وهكذا قضى رسول الله عمره كله حتى بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وتواردت إليه المغانم، ولكنه

صلى الله عليه وسلم

آثر ما عند الله على ما في الدنيا.

ولما توفي الرسول لم يخلف دينارا ولا درهما، ولا عبدا ولا شيئا إلا بغلته، وثيابه، وسلاحه، وقطعة أرض في خيبر وفدك. أما البغلة فهي التي أهداها إليه المقوقس، فلما وصلته استحسنها، وكان يركبها في أسفاره وفي المدينة المنورة، ويقال إنها كسرت حتى زالت أضراسها، فكان يحش لها الشعير، وكان يركبها بعده

صلى الله عليه وسلم

علي، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم محمد بن الحنفية، حتى عميت من الكبر.

19

وأما السلاح فقد رووا أنه كان له

صلى الله عليه وسلم

ثلاثة سيوف وبعض الأرماح وبعض القسي والدروع والتروس، وأن كثيرا من هذه العدد أخذها من سلاح بني القينقاع.

20

وأما الثياب، فيقال إنه

صلى الله عليه وسلم

توفي وله ثوبا حبرة، وإزار عماني، وثوبان صحاريان، وقميص صحاري، وقميص سحولي، وجبة يمنية، وقميص، وكساء أبيض، وقلانس صغار ثلاث أو أربع، وإزار طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة.

21

وأما الأرضون، فهي التي اصطفاها لنفسه من أرض خيبر وأرض فدك، وبقعة في المدينة جعلها صدقة على فقراء المسلمين.

ولما توفي رسول الله وتولى الأمر من بعده أبو بكر الصديق، جعل جميع ما تركه النبي صدقة، فجاءت السيدة فاطمة إليه فقالت له: من يرثك؟ فقال: «أهلي وولدي.» فقالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول الله يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة.» ولكني أعول من كان رسول الله يعوله، وأنفق على من كان ينفق عليه. وأبى أن يدفع لها شيئا، فوجدت عليه وهجرته، ولم تزل مهاجرته إلى أن مرضت. ويقال إن أبا بكر لما سمع باشتداد مرضها زارها ورضاها فرضيت عنه بعد أن اعتذر إليها وأقنعها بوجهة نظره.

22

والرواية المشهورة في ذلك تقول إن فاطمة رفضت أن يدخل عليها في مرضها، وإنها طلبت من علي ألا يصلي عليها أبو بكر، وإنه فعل ذلك، حتى إنه دفنها ليلا، ولم يؤذن بذلك أبا بكر.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٨٥