تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلمت قريش بذلك فمشت إليه بعمارة بن الوليد، فقالت: هذا أنهد فتى في قريش وأجمله، فاتخذه ولدا وأسلم إلينا ابن أخيك الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك فنقتله. فقال: لبئسما تسومونني! أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه، هذا والله ما لا يكون. ثم حميت الفتنة بين الجانبين، وطلبت قريش من قبائل الرجال الذين أسلموا أن يعذبوا أولئك الرجال ويفتنوهم عن دينهم، واتفقت كلمة قريش والقبائل على بني هاشم وبني المطلب، إلا أبا لهب؛ فإنه خرج عن قومه، وتحملت بنو هاشم وبنو المطلب كثيرا في سبيل نصرتهم.

ثم إن نفرا من قريش اجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة، وكان ذا سن ومكانة فيهم، فقالوا له: قد حضر موسم الحج، وإن وفود العرب ستقدم إليكم وقد سمعوا بأمر صاحبكم، فأجمعوا على رأي ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا؛ فماذا تقول يا وليد؟ فقال: قولوا أسمع. قالوا: نقول كاهن. قال: والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا سجعه. قالوا: فنقول مجنون. قال: ما هو بمجنون. قالوا: فنقول شاعر. قال: ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه، وقريضه ومبسوطه، فما هو بالشعر. قالوا: فنقول ساحر. قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم فما هو بنفثهم ولا عقدهم. قالوا: فما نقول يا أبا عبد الشمس. قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا هو ساحر. فجعلوا لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه وذكروا لهم أمره. وشاع أمر رسول الله يومئذ بعد رجوع الناس من الموسم؛ ولا سيما في «يثرب».

ثم إن قريشا ضاقت ذرعا بمحمد وأصحابه، فأخذت تؤذيه بالقول وتسلط عليه سفهاءها يغمزونه ببذيء القول ويسخرون منه، وهو صامد في دعوته مؤمن برسالته يستغفر لقبيلته، ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.» ثم إن قريشا أخذت تقسو في مجابهتها للنبي وجماعته، فأخذوا يعذبون فقراء المسلمين ويضربون مستضعفيهم ويجيعونهم ويعطشونهم، وممن عذبوهم آل عمار بن ياسر هو وأبوه وأمه؛ فكانوا يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيمر بهم الرسول فيقول: «صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.»

4

وكان أبو جهل إذا سمع بإسلام رجل من ذوي الشرف أنبه وأهانه في المجالس العامة، أما الفقراء والمستضعفون فقد لقوا منه ومن أمثاله عناء كبيرا، ولكن المسلمين لم يكونوا يحفلون بهذا الأذى، بل ظلوا يتابعون القيام بصلواتهم علنا في فناء الكعبة

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية * ناصية كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب (سورة العلق: 6-19). فنحن نرى من هذه الآيات الكريمات عتابا شديدا وتهديدا مقذعا لمن يمنعون المسلمين من الصلاة في حمى الله، واستهانة بمن يظنون أنفسهم قادرين على منع المسلمين من الوقوف بين يدي الله في بيت الله، ولو كانوا وجهاء أو أشرافا أو أغنياء أو زعماء.

وقد لقي النبي نفسه من سفهاء مكة مزعجات كثيرة؛ منها أن سفهاءهم حثوا التراب على رأسه، ومنها أنهم كانوا ينضدون الفرث والأرواث والدماء على ثيابه، ومنها بصق أمية بن خلف في وجهه، ومنها وطء عقبة بن أبي معيط على رقبته وهو ساجد عند الكعبة حتى كادت عيناه تبرزان، ومنها أخذ بعض سفهائهم برقبته وخنقه خنقا شديدا حتى أنقذه أبو بكر فجذبوا رأسه ولحيته وسقط أكثر شعره. أما السب والشتم والهجو الذي كان يسمعه إياه سفهاؤهم، فشيء كثير جدا.

5

وكان شر هؤلاء السفهاء عليه أبو جهل (أبو الحكم) بن هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط. ومن شر ما قام به أبو جهل أنه مر مرة برسول الله وهو عند الصفا يدعو إلى دين الله ويبتهل إليه أن يهدي قومه، فآذاه وشتمه ونال منه بما يكره، وشتم دينه، فلم يكلمه رسول الله وانصرف لطيته، وشهد الأمر مولاة لعبد الله بن جدعان، فحزنت لما أصاب محمدا من أبي جهل، ولم تمض فترة حتى جاء حمزة بن عبد المطلب متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشدهم شكيمة، فلما مر بالمرأة قالت: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٣