تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرجعت خديجة إلى رسول الله فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله جواره وانصرف صنع كما كان يصنع؛ بدأ بالكعبة فطاف بها، فلقيه ورقة ابن نوفل وهو يطوف بالكعبة، فقال له: يا ابن أختي، أخبرني بما رأيت. فأخبره، فقال: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر، ولتكذبنه ولتؤذينه ولتخرجنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم فلأنصرن الله نصرا يعلمه.

2

وشرع رسول الله في تبليغ رسالته إلى من يثق به من أهله وخاصته؛ فأول من أسلم به السيدة خديجة وعلي بن أبي طالب وزيد بن حارثة مولى محمد، وأول ما فرض الله على المسلمين الوضوء والصلاة، وكانت في اليوم صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل الغروب، وكانت الصلاة ركعتين ركعتين، ولم تجعل أربعة إلا بعد الإسراء. ثم أسلم أبو بكر الصديق وكان رجلا محببا في قومه فاضلا ناسبا خيرا تاجرا، وكان الرجال يقصدونه، فجعل أبو بكر يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم بدعائه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله، فكان هؤلاء الثمانية الذين سبقوا بالإسلام، فصلوا وصدقوا رسول الله.

ثم أسلم أبو عبيدة عامر بن الجراح، والأرقم بن أبي الأرقم، وأبو مسلمة عبد الله بن عبد الأسد، وعثمان بن مظعون وأخواه قدامة وعبد الله، ثم تتابع الناس يدخلون في دين الله، حتى فشا الإسلام في مكة بعد ثلاث سنوات من الدعوة السرية. ولم يتعرض أهل مكة للمسلمين أول الأمر إلى أن جهر محمد بالدعوة تلبية لقوله تعالى:

فاصدع بما تؤمر ، فأخذ يصدع بدعوته، ثم لما نزلت الآية:

وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ، فدعا الرسول بني عبد المطلب إلى طعام صنعه علي بن أبي طالب، وتكلم الرسول فقال: «يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة.»

3

ثم دعا بطون قريش من فوق جبل الصفا بظاهر مكة، فلما اجتمعت إليه قال: «لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم تصدقونني؟» قالوا: نعم. فقال: «إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.» فقال أبو لهب: تبا لك! ألهذا جمعتنا؟

ثم تفرقوا، فأخذ الرسول يسفه أحلامهم وينتقد أصنامهم وينكر آلهتهم فيعيبها، فناكروه وأجمعوا أمرهم على خلافه وعداوته، فمضى محمد على أمر الله مظهرا لدينه لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن الرسول لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه من عيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب حدب عليه وقام دونه، جاء رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب؛ وهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وأبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا أو أن تخلي بيننا وبينه، فأنت على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه. فقال لهم قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، ثم إنهم عادوا إليه ثانية فقالوا له: إن لك شرفا وسنا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين. ثم انصرفوا، فعظم ذلك على أبي طالب، وكره فراق قومه وعداوتهم، فبعث إلى محمد وقال له: يا ابن أخي، إن قومك قد جاءوني فقالوا كذا وكذا، فأبق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن الرسول أنه قد بدا فيه بدو، وأنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه، فقال له: «يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» ثم بكى وقام، فناداه أبو طالب فقال: يا ابن أخي. فأقبل عليه فقال له: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٢