تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| الباب الثالث

في أهل الكتاب والمنافقين في العهد المدني

| مقدمة

أهل الكتاب هم اليهود والنصارى، وقد كان لهم ذكر كثير في العهد المدني، سواء في معاونتهم للحركة المحمدية أو معاكستها، وقد كان لهم بعض الأثر في العهد المكي أيضا، سواء من كان منهم من العرب أو من غير العرب، فقد عرف الحجازيون أهل الكتاب من يهود ونصارى في بلادهم، وعرفوا خارجها في رحلاتهم إلى الشام واليمن والحبشة وبلاد الروم ومصر، وقد رأينا بعض ذلك في الفصول السابقة مما له علاقة بالعهد المكي، ونريد في هذا الباب أن نبين تأثيرهم على الدعوة الإسلامية في العهد المدني، سواء أكانوا يهودا أو نصارى أو منافقين.

الفصل الأول

| اليهود

نزل اليهود الشام والحجاز منذ عهد بعيد، وكان لهم أثر بارز في النواحي التجارية والاجتماعية والدينية في تلك النواحي، كما كان لهم تأثير كبير في العرب قبل الإسلام للقرابة الإسماعيلية التي تجمع بينهم، وللدين الإلهي والكتاب المقدس الذي عندهم. وقد كان العرب في جاهلية وسذاجة يسترشدون بما عند أهل الكتاب من علم وحكمة، ويفيدون بما يسمعون من أقوال حكمائهم وعقلاء أحبارهم.

وكان العرب يحترمون عقلاء اليهود ويقدرونهم، ويجلون كبار رجالاتهم من أهل المال والدين والكهانة. وقد استغل اليهود هذا التقدير والاحترام، فسيطروا على التجارة العربية، ورسخت أقدامهم في كل ناحية من نواحي ديار العرب، وفي القرآن الكريم آثار وشواهد تؤيد هذا.

وقد كان اليهود يبشرون بمبعث نبي عربي، ويستفتحون به على العرب، فلما بعث الله محمدا اطمأنت قلوب اليهود وجلت مكانتهم لتحقق نبوءتهم من جهة، ولاستشهاد النبي

صلى الله عليه وسلم

بهم في كثير من الأمور التي كانت قريش تعاكسه فيها. ولما دخل النبي إلى المدينة، وكانوا ذوي سلطان فيها، كتب لهم عهدا، وحالفهم والعرب، وأمنهم على طقوسهم الدينية، ومعاهدهم المقدسة، وحقوقهم المشروعة، مشترطا عليهم أن يحفظوا للجوار حقوقه، فلا يغدروا، ولا يفجروا، ولا يتجسسوا، ولا يعينوا عدوا، ولا يمدوا الأعداء، ولا يبدءوا المسلمين بأذى. وقد رحب اليهود بالنبي أول مقدمه إلى المدينة، ولكن شياطينهم ومفسديهم أخذوا يتآمرون عليه ويستهزئون به، ويخذلون دعوته، وينقضون عهده الذي عاهدوه عليه، وأخذوا يلبسون الحق بالباطل. فأنزل الله سبحانه على رسوله فيما أنزل قوله:

يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون (سورة البقرة: آية 40-42).

ويظهر أن اليهود - والنصارى أيضا - إنما جاروا محمدا أول الأمر ظنا منهم أنه سيجنح إليهم، ويتبع ملتهم، أو يهادنهم على الدوام، كما أشارت إلى ذلك الآية الكريمة:

ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم (سورة البقرة: آية 120).

ولكن الرسول لم يفعل شيئا يحلمون به، بل أخذ يدعوهم إلى الدخول في دعوته الجديدة، فثارت ثائرتهم، وبخاصة حين سمعوا قوله تعالى:

يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير (سورة المائدة: آية 19)، ولما لم يدخلوا في دين الله ولم يأبهوا لإنذار الرسول وتبشيره، أنزل الله سبحانه فيهم آيات العتاب واللوم، والتحذير والوعيد، حيث يقول سبحانه:

أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (سورة البقرة: آية 44).

ولعل أخطر دور قام به هؤلاء الناس هو أنهم شجعوا أهل الحجاز وغيرهم من العرب على النفاق والتظاهر بالدخول في الإسلام مع الكيد له في الباطن، وقد لقي رسول الله وصحابته من هؤلاء المنافقين - من اليهود والعرب على حد سواء - عنتا كبيرا، وعناء كثيرا، ولما ضاق ذرع النبي الكريم بهم وبفسادهم، أخذ يهددهم، ويذكر عوارهم ويبين سوء مصيرهم إن هم بقوا على هذا الضلال المبين، وفي ذلك نزلت الآية:

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٢٥