ثم خرج إلى الناس وهم يموجون حزنا وعويلا، فخطب فيهم هذه الخطبة الحكيمة التي أرجعتهم إلى الصواب، وأثابتهم إلى رشدهم، حين قال: الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، وأشهد أن الكتاب كما نزل، وأن الدين كما شرع، وأن الحديث كما حدث، وأن القول كما قال، وأن الدين هو الحق المبين. أيها الناس، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وإن الله قد تقدم إليكم في أمره، فلا تدعوه جزعا، وإن الله قد اختار لنبيه عنده على ما عندكم، وقبضه إلى ثوابه، وخلف فيكم كتابه، وسنة نبيه، فمن أخذ بهما عرف، ومن فرق بينهما أنكر. يا أيها الذين آمنوا، كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم، فعاجلوه بالذي تعجزونه، ولا تستنظرونه فيلحق بكم.
6
ودفن الرسول يومي الثلاثاء والأربعاء، وصلى الناس عليه أفواجا: الرجال، والنساء، والأطفال، لا يؤمهم أحد. ودفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص ولا عمامة، ودفن في المكان الذي توفي فيه في جوف الليل، ودخل القبر عليه علي والعباس وولده الفضل وقثم ومولاه شقران، وهم الذين تولوا غسله وتكفينه وأمره كله، وحضرهم أوس بن خولي، ولم يكن شيئا سوى حمل الماء. وكان غسله في قميص من بئر يقال لها قوس ثلاث غسلات بماء وسدر، وجعل علي على يده خرقة وأدخلها تحت القميص، وحفر له أبو طلحة الأنصاري، ورش قبره الطاهر بالماء بلال مؤذنه، ووضع شقران في حفرته قطيفة نجرانية حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول الله يلبسها ويفرشها، فطرحها تحته، وقال: لا يلبسها أحد بعدك. وبنى في قبره اللبن، يقال تسع لبنات، ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.
7
ولما فرغوا من دفنه خرجت فاطمة فقالت لعلي: يا أبا الحسن، دفنتم رسول الله؟ قال: نعم. قالت: كيف طابت قلوبكم أن تحثوا التراب عليه، أليس كان نبي الرحمة؟ قال: نعم، ولكن لا مرد لأمر الله. فقعدت تندب على رسول الله وتقول: وا أبتاه، وا رسول الله، وا نبي الرحمتاه، الآن لا يأتي الوحي، الآن ينقطع عنا جبريل، اللهم ألحق روحي بروحه، واشفعني بالنظر إلى وجهه، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة. وأخذت تربة من تراب رسول الله فشمته وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد
أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها
صبت على الأيام صرن لياليا
ومما قالته عائشة في ذلك اليوم: يا من لم يشبع من خبز الشعير، يا من اختار الحصير على السرير، يا من لم ينم الليل كله من خوف السعير.
ومما قالته صفية بنت عبد المطلب:
ألا يا رسول الله كنت رجاءنا
وكنت بنا برا ولم تك جافيا
وكنت رحيما هاديا ومعلما
ليبك عليك اليوم من كان باكيا
كأن على قلبي بذكر محمد
وما خفت من بعد النبي المكاويا
فدى لرسول الله أمي وخالتي
وعمي وآبائي ونفسي وماليا
فلو أن رب العرش أبقى نبينا
سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
لعمرك ما أبكي النبي لفقده
ولكن لما أخشى من الهرج آتيا
أفاطم صلى الله رب محمد
على جدث أمسى بيثرب ثاويا
صدقت وبلغت الرسالة صادقا
ومت صليب العود أبلج صافيا
عليك من الله السلام تحية ...
وأدخلت جنات من العدن راضيا
8
الفصل الرابع
| في شعائر الإسلام وأحكامه
كملت شعائر الإسلام خلال السنوات العشر التي قضاها الرسول الكريم في دار الهجرة؛ فقد شرع منذ وصوله إليها في إقامة مسجده للقيام بشعائر الإسلام وتعليم المسلمين آداب الدين وتعاليمه، والقضاء بينهم فيما يقع بينهم من المشكلات الدينية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية، والمشاورة في كل أمر يحزب بالمسلمين ويتعلق بجماعتهم، أو استقبال الوفود والرسل الذين يفدون على النبي ممثلين بلادهم أو مستنيرين بالهدي المحمدي، وفيما يلي بيان أجل شعائر الإسلام: (1) الأذان