تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد. فلا ترجعن بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعده: كتاب الله وسنة نبيه، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.

أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد.»

قالوا: نعم.

قال: «فليبلغ الشاهد الغائب.» «أيها الناس، إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، ولا يجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحجر، من ادعى لغير أبيه أو تولى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل.

أيها الناس: إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا فضل لعجمي على عربي إلا بالتقوى.»

5

وقد بين في هذه الخطبة أصول الدين وفروعه. وفي هذا اليوم أنزل الله عليه

صلى الله عليه وسلم

قوله تعالى:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ، ثم رجع الرسول إلى المدينة. (6) السنة الحادية عشرة (6-1) بعثة أبنى

لما رجع الرسول من حجة الوداع جهز حملة بقيادة أسامة بن زيد بن حارثة إلى أبنى بالبلقاء ، بالقرب من مؤتة، حيث قتل زيد بن حارثة، وكان في الجيش بعض كبار صحابة الرسول كأبي بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وكان أسامة شابا لم يتجاوز السابعة عشرة، ولم يتم لهذه البعثة أن تسافر لمرض الرسول

صلى الله عليه وسلم

واشتداد وطأة المرض عليه. (6-2) مرض الرسول

لم يمض على حجة الوداع ثلاثة أشهر حتى مرض الرسول بالحمى، فلما اشتد المرض استأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة، وأمر أبا بكر أن يصلي بالناس، ولما وجد في يوم بعض النشاط خرج متوكئا على علي والفضل، والعباس أمامهم والنبي معصوب الرأس يخط برجليه حتى جلس في أسفل مرقاة المنبر، ثم نهض فحمد الله وأثنى عليه وقال: «أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي من قبلي فيمن بعث فأخلد فيكم؟ ألا وإني لاحق بربي وإنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا، وليوصي المهاجرين فيما بينهم؛ فإن الله يقول:

والعصر * إن الإنسان لفي خسر . وإن الأمور تجري بإذن الله، ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله؛ فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد. ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه:

فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم . وأوصيكم بالأنصار خيرا، فإنهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلكم، أن تحسنوا إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم وأنتم لاحقون بي، ألا فإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يرده علي فليكف يده ولسانه، إلا فيما ينبغي.»

ولما كان يوم الأحد اشتد الوجع عليه

صلى الله عليه وسلم ، ولما دخل يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول المتمم عشر سنين للهجرة، فارق الرسول الكريم هذه الدنيا الفانية واختار الرفيق الأعلى، وكان ذلك حين زاغت الشمس، وصادف ذلك يوم 8 حزيران من سنة 632 للميلاد، وهو في الثالثة والستين من عمره.

ولما علم المسلمون بنبأ وفاة الرسول طاش حلمهم، ووقف عمر رافعا سيفه مهددا بالقتل من يقول بموت النبي، ولكنه ذهب كما ذهب موسى، وإنه ليرجعن. ثم أقبل أبو بكر وعمر يتكلم في الناس، فلم يلتفت إليه حتى دخل على الرسول وهو مغطى بثوبه، فكشف عنه وقال: بأبي أنت وأمي، طبت حيا وطبت ميتا، وانقطع لموتك ما لم ينقطع لموت أحد من الأنبياء من النبوة، فعظمت عن الصفة، وجللت عن البكاء، وخصصت حتى صرت مسلاة، وعممت حتى صرنا فيك سواء، ولو أن موتك كان اختيارا منك لجدنا لموتك بالنفوس، ولولا أنك نهيت عن البكاء لأنفذنا عليك ماء الشئون، فأما ما لا نستطيع نفيه عنا فكمد وإدناف يتحالفان ولا يبرحان، اللهم فأبلغه عنا السلام، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن من بالك، فلولا ما خلفت من السكينة لم نقم لما خلفت من الوحشة. اللهم أبلغ نبيك عنا واحفظه فينا.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني) · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانطلاق: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثاني)ص ٢١