خرج النبي إلى بني سليم للمرة الثانية، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم حتى بلغ بني سليم ببحران، فتفرقت بنو سليم ورجع الرسول. (3-2) سرية محمد بن مسلمة الأشهلي
بلغ الرسول أن كعب بن الأشرف الطائي وأمه من بني النضير أخذ يحرض الناس على حرب المسلمين، وينشد الأشعار في ذلك، ويأتي مكة فيبكي أصحاب القليب ويذكر نساء المسلمين بشر، فقال النبي: «من يأتيني برأسه؟» فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله. ثم سار إلى كعب بالسرية التي بعثها الرسول معه، فلما قرب من داره بعث إليه أبا نائلة سلكان بن سلامة، فأتاه وقال له: ويحك يا ابن الأشرف، إني قد جئتك لحاجة، لقد كان قدوم هذا الرجل - يعني محمدا - بلاء، عادتنا العرب وقطعت عنا السبل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس، وأردت أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك. فقال كعب: ترهنوني أبناءكم. فقال محمد: لقد أردت أن تفضحنا، إن معي أصحابا لي على مثل رأيي ، قد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة - السلاح - ما تشاء. ثم إن أبا نائلة أحضر أصحابه فقالوا لكعب: هلم نتماشى إلى شعب الفجور فنتحدث بقية ليلتنا. وبينما هم في الطريق حمل عليه محمد فقتله وأتى النبي برأسه. (3-3) غزوة أحد
أرادت قريش أن تثأر لنفسها من غزوة بدر، فجمعت الرجال، وأعدت الأموال، وكان أبو سفيان يتولى ذلك، حتى اجتمع قريب من الثلاثة آلاف من قريش وكنانة وتهامة والأحابيش - وهم جند مرتزقون من بني الحارث والهوان والمصطلق استأجرتهم قريش لحماية تجارتها - فخرج لهم أبو سفيان واصطحب معه القيان والمزاهر والخمر، وتوجه تلقاء المدينة، فلما علم الرسول بخروجهم استشار الصحابة، فأشار عليه الشبان بلقائهم خارج المدينة، وأشار الكبار بالبقاء في المدينة لحصانتها، فقبل الرسول الرأي الأول وسار يجمع المسلمين. وبينما هم في الطريق رجع المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بمن معه قائلا: إن محمدا قد عصانا واتبع الولدان. وكادت كلمة المسلمين أن تتفرق، وفي آيات سورة آل عمران (118-122) بيان الوضع الذي كان عليه المسلمون مع المنافقين، وهي قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون * ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور * إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط * وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون . ثم إن الرسول نزل شعب جبل أحد وعسكر على سفحه المقابل للمدينة والمتجه إلى بطن الوادي، وجعل الرماة في أعلاه ليحموا مؤخرة الجيش، وأوصاهم ألا يتركوا أمكنتهم سواء أكانت الغلبة للمسلمين أو عليهم، ثم عرض الجيش، ولما التحم القتال أظهر كل من الجانبين قوة وحزما، واتبع المسلمون أوامر الرسول فكان النصر في جانبهم. ولما رأى الرماة من على الجبل فوز إخوانهم المسلمين أهملوا الوصية التي أوصاها الرسول وتركوا منازلهم، وانكفئوا يجمعون الغنائم والأسلاب، فانتهز خالد بن الوليد، وكان على خيل المسلمين، فرصة خلو الجبل من الرماة، وأن المسلمين من خلفهم، أعمل الرماح في ظهورهم فشتت شملهم وتفرق جمعهم وجرح الرسول، وصاح ابن قميئة: ألا إن محمدا قد قتل. فانخذل المسلمون واستولى عليهم اليأس إلا نفرا أحاطوا بالرسول يحمونه ويتلقون السهام عنه، على أن خبر قتل الرسول وإن كان سببا في بلبلة جمع المسلمين، فإنه كان سببا في نجاته من أيدي المشركين؛ فقد انخدع جمعهم بذلك الخبر الكاذب، وفطن الرسول لذلك، فنهى كعب بن مالك من أن يصيح أن الرسول لم يمت. وقتل من جمع المسلمين ما يقارب السبعين شخصا، مثلت نساء قريش بقتلى المسلمين؛ ومنهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، فإنها بقرت بطن حمزة وأرادت أكل كبده. ورجع المسلمون إلى المدينة، وقد أفادوا من هذا الانكسار فوائد جليلة، كما أنهم عرفوا كثيرا من المنافقين الذين كانوا يضمرون الكفر ويتظاهرون بدين الله. (4) وفي السنة الرابعة (4-1) سرية الرجيع