تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان لانقسام الأمة وتجزيء سكانها واختلاف وجهة نظر كل من سكانها من عرب وترك وديلم وروم وأحباش وفرس ونصارى ويهود، قد كان كالسوس ينخر في جسم الإمبراطورية حتى انهارت وهوت هذا الهوى الفظيع. (11)

كان سوء إدارة الخلفاء العباسيين المالية والإدارية وضياع العدل، وسيطرة الظالمين والأشرار والأوباش وسوء معاملة أهل الذمة، وفقدان الوازع الخلقي والديني سببا قويا في الانحلال، فالسقوط. (12)

كان لتقوي الفرق العقائدية الهدامة، من قرامطة وباطنية، وغلاة من كل قبيل، وتقاتل هؤلاء الفرقاء بالأقلام والسيوف، وعمل كل واحد على تهديم خصمه بكل الطرق، ولو بالاستعانة بالأجنبي، تأثير قوي في ضعضعة الدولة وسقوطها. (13)

كان لفساد الأسرة والبيت العربيين، بانتشار الجواري والسريات والغلمان والخصيان، أثر قوي في تقويض معنويات الأمة الخلقية، ومقوماتها الاجتماعية، وتقويض هذه المعنويات والمقومات من أجل أسباب السقوط. (14)

كان لاضطراب الأحوال الاقتصادية وفساد أمور الزراعة، وكثرة الضرائب، وكثرة المصادرات، وانتشار الفقر والبؤس يد قوية في تهديم الدولة والعمل على سقوطها.

الفصل الثالث

| في نتائج الانحلال وظهور دول جديدة

هي: (1) دولة السلاجقة. (2) دولة الخوارزمية. (3) دولة الأتابكية. *** (1) دولة السلاجقة

ينتسب السلاجقة إلى سلجوق بن دقاق (تقاق أو أديقاق)

1

أحد رؤساء التركمان (الغز) الساكنين سهول تركستان فيما وراء النهر، وكان ذا طموح فتقرب من ملوك السامانيين، وأخذ قدره يسمو، حتى هابه الأتراك وقربه السامانيون وبخاصة بعد أن اتخذ مدينته مستقرا، ولما مات خلف ثلاثة أولاد، ميكائيل وموسى وأرسلان، فأخذوا يوسعون رقعة بلادهم ويعظم سلطانهم إلى أن هلكوا، فبرز أولاد ميكائيل وهم: بيغو، وطغرل بك، وجفري بك، ولما انقرضت الدولة السامانية سنة 389ه طمعوا في الاستيلاء على أراضيها، فأخذوا يحتلون بعض بقاعها وعظم ملكهم، واستطاع طغرل بك أن يستولي على خراسان. وفي سنة 429ه استولى على مرو، ونيسابور، وبلخ، وجرجان، وطبرستان، وخوارزم، وهمذان، والري، وأصفهان، وتخاذل بنو بويه أمامه، ولمع اسم السلاجقة في العالم الإسلامي. ولما ثار البساسيري أبو الحارث أرسلان على الخليفة، رأى هذا أن يستنجد بطغرل بك لإنقاذه فكتب إليه طغرل بك يلبي رغبته، ويظهر له العبودية والطاعة، ودخل طغرل بغداد، وخطب له في جوامعها يوم الجمعة في 22 محرم، وقبض على الملك الرحيم البويهي وقضى على آل بويه، وأخذ أمر السلاجقة يسمو حتى سيطروا على العراق والمشرق كله. ولما مات طغرل بك خلفه ألب أرسلان محمد بن داود بن ميكائيل، وكان حازما عاقلا مدبرا استطاع أن يوسع حدود المملكة الإسلامية على حساب الدولة الرومانية الشرقية، وامتدت أملاكه من أقصى الشرق إلى جزيرة العرب وإلى بحر مرمرة بعد أن هزم الإمبراطور البيزنطي رومانوس وأسره في موقعة ملاذكرد سنة 464ه، ولم تقم للروم بعدها قائمة. وكان عهد ألب أرسلان عهد عز ورخاء وعلم، بفضل حزمه وإدارة وزيره العالم العظيم نظام الملك الطوسي مؤسس المدارس النظامية

2

ومدبر الدولة، واستمرت الدولة في السمو أيام هذين العاقلين، إلى أن مات ألب أرسلان وخلفه ابنه أبو الفتح ملكشاه، فظل نظام الملك يدير الدولة، وقيض الله إتمام الفتوح والقضاء على الباطنية. بلغت الدولة في عهد ملكشاه أقصى حدود الصين في الشرق وبلاد الشام والجزيرة العربية وبلاد الروم إلى بلاد جورجيا، وكان يعين نظام الملك أيضا في تدبيره فاضلان آخران هما: كمال الدولة أبو الرضى فضل الله بن محمد صاحب ديوان الإنشاء والطغراء، ومشرف الملك أبو سعيد محمد بن منصور صاحب ديوان الذمام والاستيفاء، وكلاهما حازم مدبر داهية جواد، ولما مات ملكشاه أخذت الأمور تضطرب بعض الاضطراب لاختلاف أولاد ملكشاه الأربعة، واشتداد أمر الباطنية، فانقسمت الدولة إلى دويلات عرفت بدول الأتابكية.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٤٩