وقد حل ببغداد من التقتيل وفظائع التتر أمور مخيفة أطنب المؤرخون في وصفها، وإليك موجز ما يقوله السيوطي (في تاريخ الخلفاء، ص363)، عن ذلك، حين يذكر أنه قد قدر عدد من قتل من أهلها في الحصار وبعده ما يقرب من مليون نسمة، ولم يترك هولاكو أحدا من العلماء والأمراء والحجاب وكبار الموظفين والتجار والوجوه والأشراف على قيد الحياة، ولم يسلم من أهل المدينة إلا من اختفى في بئر أو في قناة، وقد انتهبت دورها وقصورها وأرسلت نفائسها إلى أذربيجان، وكان لسقوط بغداد أثر كبير في خضوع أمراء آسيا الغربية مثل بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل والأتابك أبو بكر بن سعد صاحب فارس، وسلاجقة الروم، كما كان من آثار هذا السقوط أن انتقلت الخلافة العباسية إلى مصر.
الفصل الثاني
| مظاهر الانحلال وأسباب السقوط في الدولة
فسدت أمور الدولة العباسية في هذه الفترة فسادا بارزا، وبخاصة في الفترة الأخيرة منها؛ فقد كان الخلفاء منصرفين إلى توافه الأمور، أما تقوية كيان الدولة والتيقظ لما قد يصيبها من بلاء فقد كانوا في معزل عنه، وكان السلاطين السلاجقة هم المفكرون بشئون الدولة والبلاد، وقد عاشت البلاد فترات رخاء وأمن، حين كان السلاجقة أقوياء منصفين، فلما ضعفوا وظلموا فسدت الحالة وعم البلاء إلى أن كانت الكارثة العظمى. ويمكننا إجمال مظاهر الانحلال في الدولة العباسية حين سقوطها بالنقاط الأربع عشرة الآتية: (1)
سقطت مكانة الخليفة في هذه الفترة، وذلت الخلافة ذلا واضحا في أواخر عهد بني بويه، وتسلط على الخلفاء مماليكهم، وعلى رأسهم البساسيري مملوك بهاء الدولة بن عضد الدولة. وقد صور لنا ابن العميد (في كتابه: تاريخ المسلمين، ص271) نفوذ البساسيري وضعف الخليفة بقوله: «كان قد عظم قدره بالعراق واستفحل، فطار اسمه، وعظمت هيبته، وخافته أمراء العجم، وخطب له على منابر العراق، ولم يبق للملك الرحيم بن بويه، إلا مجرد الاسم، ثم بلغ الخليفة القائم بأمر الله أن البساسيري قصد دار الخلافة للقضاء عليه ... وقد استطاع أن يقضي عليه ويسجنه في قلعة الحديثة، ثم استنجد الخليفة بطغرل بك السلجوقي لطرد البساسيري، فكان له ما أراد، وقد ظن أن سيطرة السلاجقة ستعيد له مكانته، وللخلافة سلطانها، ولكن ظنه خاب؛ فإنهم أعادوا له مظاهر الاحترام، واستبدوا بالأمر دونه، وأقطعوه بعض الأراضي ليستغلها. (2)
لأن السلطان الأجنبي الذي كان يضفي عليها شيئا من المهابة، قد ضعف هو نفسه، وصار الأجناد من ديالمة وكرد لا يسمعون للسلطان البويهي، وقد رأينا أنهم لما أفسدوا بعض قرى الخلافة شكا الخليفة ذلك إلى السلطان جلال الدولة فلم يقدر أن يصنع شيئا لضعفه ، ولما سقطت الدولة البويهية وخلفتها السلجوقية استعاد الخلفاء بعض هيبتهم، حين كان السلاجقة أقوياء، فلما ضعفوا عادت الخلافة من جديد إلى الانحطاط والضعف، وهذا شأن كل من لا يعتمد على نفسه في حماية بلاده، بل ينتظر من الغريب أن يحميها عنه.
ولما ضعف السلاجقة وكان الخلفاء قد لاقوا من المهانة والمذلة ألوانا، عزم أحدهم أن يثور لكرامته ويعيد للخلافة مكانتها بعد ما رآه من تعسف السلاجقة وظلمهم حتى قال المسترشد:
1 «فوضنا أمورنا إلى آل سلجوق فبغوا علينا، فطال عليهم الأمد، فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون.» وقد أعلن هذا الخليفة عداءه للسلطان محمد السلجوقي في سنة 520ه، وأخذ الخليفة يقوي نفسه ويعمل على إقصاء السلاجقة من بغداد، وقطع في سنة 529ه الخطبة لمسعود،
2
فتحاربا وكان الفوز لمسعود، وأسر الخليفة. (3)
كان من جراء سقوط الهيبة العباسية أن انزوى الخلفاء في قصورهم يعيشون عيشة ترف ودعة، وبالغوا في الاحتجاب عن الناس. ويذكر المستشرق لسترنج
3
نقلا عن الرحالة اليهودي توديلا الذي زار بغداد حوالي سنة 555ه، وكان ذلك في عهد المقتفي أو المستنجد، أن الخليفة كان لا يخرج من قصره إلا مرة واحدة؛ أي ليؤم الناس في صلاة عيد الفطر. (4)