تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم استخلف الإمام الناصر لدين الله أبو العباس أحمد بن المستضيء في ذي القعدة سنة 575ه، وكان إماما ذكيا سياسيا حازما عادلا بليغا عاقلا شجاعا مدبرا، وهو أطول العباسيين عهدا؛ فقد حكم 46 سنة وأحد عشر شهرا.

قال ابن طباطبا (في الفخري، ص280): «طالت مدته وصفا له الملك، وأحسن مباشرة أحوال الرعية بنفسه حتى كان يتمشى في الليل في دروب بغداد ليعرف أخبار الرعية.» وفي أيامه انقرضت الدولة السلجوقية بالكلية.

وكان للناصر من أعمال البر والخير والعرفان ما يفوت الحصر، ومات في سنة 622ه، وفي عهده حدثت حوادث جسام، كإغارة المغول والتتر على البلاد، فاستولوا على أقاليم المشرق من الصين إلى العراق، وعاثوا بالبلاد فسادا، والخليفة لا يستطيع الوقوف أمامه إلى أن أدركه أجله فمات في رمضان سنة 622ه.

فخلفه ولده أبو نصر محمد الظاهر بأمر الله في سنة 622ه، ولم تطل أيامه ولم يكن في أعماله شيء ذو خطر، ومات سنة 623ه فخلفه ولده أبو جعفر المنصور المستنصر بالله سنة 623ه، وكان شهما جوادا عاقلا عالما فاضلا محبا للعمران وتأسيس دور العلم، وكانت أيامه طيبة، والبلاد هانئة، وفي عهده تم للمغول السيطرة على بلاد إيران إلى حدود العراق، والخلفاء ساكتون واجمون، والنكبة محدقة بهم. وفي سنة 640ه مات المستنصر فخلفه ابنه المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله آخر الخلفاء العباسيين على يد هولاكو المغولي، وكان ذلك في 20 محرم سنة 656ه.

قال ابن طباطبا في وصف المستعصم الفخري: «كان رجلا حرا متدينا، لين الجانب، سهل العريكة عفيف اللسان والفرج ... قليل الخبرة بأمور المملكة مطموعا فيه ... وكان زمانه ينقضي بسماع الأغاني والتفرج على المساخر، وبعض الأوقات بخزانة الكتب للتسلي، وكان أصحاب دولته من الجهال الأراذل إلا وزيره مؤيد الدين محمد بن العلقمي، فإنه كان فاضلا عاقلا نبيلا، ففسدت الأمور واضطربت أحوال الدولة، وطمع فيها التتر، وكان جنكيز خان قد هلك في سنة 624ه/1227م في عهد الخليفة المستنصر بعد أن استولى على أكثر بلاد المملكة الإسلامية في المشرق والمغرب، فلما هلك اضطربت الدولة المغولية فترة، ثم أجمع قوادها وأمراؤها أمرهم على انتخاب آكتاي بن جنكيز خاقان عليهم في سنة 426ه، فجهز جيشا من 30 ألف مقاتل ولى قيادته إلى شيرماجون وبيدشو لقتال السلطان جلال الدين منكوبرتي ملك الدولة الخوارزمية فقضوا عليه.»

1

وكانت الدولة الخوارزمية حاجزا عن البلاد الإسلامية التي سيطر عليها جنكيز وبين الدولة العباسية، فلما سيطروا على الدولة الخوارزمية، سهل عليهم القضاء على أملاك الخلافة العباسية، ويظهر أن المسلمين قد كانوا يعرفون هذا؛ فقد روى ابن تغري بردي «أن بعض الناس دخلوا على السلطان الملك الأشرف موسى صاحب دمشق وهنئوه بمقتل عدوه، منكوبرتي، فقال لهم: «تهنوني وتفرحون، وسوف ترون عنه، والله لتكونن هذه الكسرة سببا لدخول التتر إلى بلاد الإسلام، ما كان الخوارزمي إلا مثل السد الذي بيننا وبين يأجوج ومأجوج».» وهكذا كان؛ فإن مانجو خان (مانكو) الذي خلف آكتاي سنة 649ه جهز جيشين؛ أحدهما بقيادة أخيه كوبلاي لإتمام فتح الصين، والثاني بقيادة أخيه الأصغر هولاكو للقضاء على الإسماعيلية في فارس، والسيطرة على بغداد، فشرع هولاكو يجهز جيشه ويعد العدة ويكاتب الملوك والأمراء المسيحيين وغير المسيحيين من أعداء خلافة بغداد للقضاء على الخليفة. وتمكن هولاكو في سنة 653ه من السيطرة على بلاد الإسماعيلية واحتلال حصنهم «قلعة الموت» في سنة 654ه، ثم كتب إلى الخليفة المستعصم في 9 ربيع الثاني سنة 655ه/21 أيلول سنة 1257م رسالة يدعوه فيها إلى الاستسلام والخضوع والحضور إلى حضرته لإعلان ذلك، فلم يهتم بالرسالة كما لم يهتم بأمر الدفاع عن بلاده على الرغم من تحذير وزيره ابن العلقمي له، فسارت جيوش المغول قاصدة العراق حتى طوقت بغداد سنة 656ه، وأراد الخليفة في تلك الساعة المصالحة والذهاب بنفسه إلى معسكر هولاكو مع أولاده الثلاثة ليسلم إليه بغداد التي أعمل فيها التتر التخريب والفساد مدة أسبوع، على أن يؤمنه على أهله ونفسه بعد أن قدم جواهر الخلافة ونفائس المملكة إلى هولاكو، فأخذ ذلك منه، ولم يمهله إلا عشرة أيام حتى قتله هو وابنه الأكبر في الرابع عشر من صفر سنة 656ه بعد أن كان خرج عن بغداد ومعه الخليفة فقتله في الطريق، رفسا على باب كلواذي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٤٦