تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

11 (4) الطعام والشراب

ذكرنا شيئا من هذا في الفصل الخاص به في الكتاب الأول، ونضيف هنا أن الترف والرفاهية، قد ازدادت على سفر الأغنياء، وجعلوا لذلك آدابا وتقاليد؛ فقد روى الثعالبي عن أبي رياش أنه كان آية في حفظ أيام العرب وأنسابها وأشعارها، ولكنه كان وسخ اللبسة قليل التنظيف، شرها على الطعام، سيئ المؤاكلة، دعاه والي البصرة أبو يوسف اليزيدي إلى مائدته يوما، فلما أخذ في الأكل مد يده إلى بضعة لحم فانتهشها ثم ردها إلى القصعة، فكان بعد ذلك إذا حضر مائدته أمر أن يهيأ له طبق ليأكل عليه على حدة.»

12

ولا شك في أن هذه الآداب والتقاليد الطعامية، قد دخلت بيوت الأعيان والطبقة البرجوازية، كما أن الغاية بتنويع الطعام قد بلغت أوجها في ذاك العصر؛ فقد روي أن ابن مسكويه خازن كتب عضد الدولة البويهي ألف كتابا في تركيب الباجات من الأطعمة، وأنه أحكمه غاية الأحكام وأتى فيه من أصول علم الطبخ بكل غريب حسن،

13

أما الحلوى فقد تفننوا فيها تفننا لا من حسن الطعم بل من حسن الشكل والصورة؛ ففي ديوان المتنبي (ص18) مقطوعة لطيفة قالها في شكر رجل أهدى إليه سمكا مصنوعا من السكر واللوز مطبوخا بالعسل. وكما أننا نجد في هذا العصر آدابا وتقاليد، كان أهل الظرف والترف يتقيدون بها، وقد أحصاها الوشاء في كتابه الطريف «الموشى»، وفيه فصل لنا آداب مجالس الشراب وآداب موائد الطعام، كما يحدثنا أنهم كانوا يكرهون أنواعا من الأطعمة، ويبتعدون عن طعامها مثل الهندباء والفجل والحرف لنتنها، والكراث والبصل لرائحتها، والثوم والبصل لمغبة أكلها، كما أنهم كانوا يمتنعون عن أكل الزيتون والتمر والمشمش والنبق والصاب والخوخ والأجاص وغيرها مما له نوى لما في إخراج نواه أمام الحاضرين من نقص في المروءة، وأنهم كانوا لا يأكلون السمسم المقلي والزبيب الأسود؛ لأنهم يشبهونه بالبعر، ولا الباقلي والبلوط والخرنوب الشامي وغير ذلك مما يرون في أكله على مجالس الشراب نقصا في آداب الشراب، وإنما كانوا يأكلون مع الشراب مملوح البندق ومقشر الفستق وتفاح الشام وسفرجل بلخ وقصب السكر المغسول بماء الورد، ويطيبون مجالسه بالعود الهندي والطين الخراساني، والملح الصنعاني.

14

ولا شك في أن هذا كان نوعا من الرفاهية والترف لم تصل إليه مجالس اللهو والشراب في أرقى عصورها في أوروبا. (5) مستوى المعيشة

لا نعرف شيئا حقيقيا عن مستوى المعيشة في هذا العصر، وعن أحوال الطبقات فيه، غير أنه لا شك في أن الناس يمكن تقسيمها إلى خمس طبقات: (1)

الحكام من خليفة وسلطان وأمير وعامل ومن إليهم. (2)

طبقة كبار التجار والزراع والملاكين والموظفين البارزين ومن إليهم. (3)

طبقة عامة التجار والزراع وكبار السوقة، والجنود المرتزقة. (4)

طبقة العامة من صغار السوقة وعمال الحوانيت والباعة والكتبة والمحترفين والفلاحين ورجال العلم. (5)

طبقة المكدين والمتصوفة والمتفقهة. (1)

أما أهل الطبقة الأولى فقد كانت مواردهم الواسعة سببا في أن يحيوا حياة بذخ وترف لا حد لهما؛ فقصورهم تعج بالخدم والحشم والرقيق والطرف والتحف، أما ما ينفقونه على بناء قصورهم فشيء لا يصدق. قالوا إن المتوكل بنى قصره «العروس» بثلاثين مليون درهم، و«الجعفري» بعشرة ملايين و«العزيب» بعشرة أيضا، و«الشيدان» بعشرة كذلك و«البرخ» بعشرة أيضا، و«الصبح» بخمسة ملايين ... إلى آخر ما يرويه مؤرخو العصر عن قصور هذا الخليفة. (2)

وأما طبقة كبار التجار والزراع والملاك والموظفين، فكانت كذلك طبقة مترفة لا تقل فخامة قصورها ورياشها عن قصور الطبقة الأولى، نذكر من هؤلاء آل الجصاص التجار الجوهريين الذين بلغت ثروتهم حدا مدهشا.

15 (3)

وأما طبقة عامة التجار والزراع وصغار الملاكين والموظفين فكانت أحوالهم متوسطة يتبلغون هم وأهلهم بطعام جيد، وسكن حسن وخدم محدودين. (4)

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٤٢