7
ولا شك في أن هذا كله آت من الانحلال الخلقي والنفسي. (2) الأسرة
تكلمنا في الكتاب الأول عن شيء من أحوال الأسرة في العصر العباسي الأول، وعن دخول العناصر غير العربية من فارسية ورومية وحبشية وتركية إلى البيت الإسلامي، وعن انحطاط الأسرة واضطراب شأنها بذلك الخليط من الجواري، ونضيف ها هنا أن البيت الإسلامي أضحى يعج بالزوجات المتعددات، عدد غير محدود من السريات، وقد تبع الناس في ذلك خلفاءهم؛ فقد عج قصر الخلافة في هذا العصر، بعدد كبير من الجواري والخصيان حتى صار الخلفاء كلهم إلا قليلا أبناء جوار. قال ابن حزم في نقط العروس: «لم يل الخلافة في الصدر الأول من أمه أمة، حاشا يزيد وإبراهيم ابني الوليد، ولا وليها من بني العباس من أمه حرة حاشا السفاح والمهدي والأمين.»
8
وإذا كان هذا حال الخلفاء، فما قولك بأسر الوجوه والأعيان، أما السوقة والرعاع فقد تاهوا في تلك البيئة المنحلة المضطربة. ومما يجب أن نلاحظه ها هنا أن الجواري في هذا العصر قد كثرن وصارت لهم دور للهو والفسق، ويقول أبو حيان التوحيدي:
9
أحصينا ونحن جماعة في الكرخ أربعمائة وستين جارية في الجانبين، ومائة وعشرين حرة، وخمسة وتسعين من الصبيان من البدور، يجمعون بين الحسن والحذق والظرف والعشرة، هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل إليه لعزته وحرسه ورقبائه، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء والضرب إلا إذا نشط في وقت، أو ثمل في حال، أو خلع العذار في هوى قد حالفه وأضناه.» ونحن نرى هذا سر انحطاط المجتمع وفساد الأسرة، وإلا ما معنى وجود هؤلاء «الصبيان البدور» الخمسة والتسعين الذين ذكرهم أبو حيان التوحيدي، ووصفهم أبو حيان في موضع آخر فقال: «خمسة وتسعون غلاما جميلا يغنون للناس،
10
وإنه كان بها غلام موصلي ممن ملأ الدنيا عيارة وخسارة، وافتضح أصحاب التستر والوقار، وأصناف الناس من الصغار والكبار بوجهه الحسن وثغره المبتسم وحديثه الساحر وطرفه الفاتر وقده المديد، ولفظه الحلو ودله الخلوب ... يسرقك منك ويردك عليك ... فحاله حالات، وهدايته ضلالات، وهو فتنة الحاضر والبادي.» وقد تفنن القوم في أسماء هؤلاء الغلمان فسموهم الأسماء المخنثة، مثل: نسيم ومؤنس ووصيف وفاتن وجميلة (لغلام ذكر)، ولا شك في أن هذا كان انحطاطا وانحلالا لأفراد الأسرة ما بعده انحطاط، وأبو حيان حجة في قوله أمين في نقله. وفي هذا العصر نبغ في بغداد شعراء فسقة مجان غطوا على أبي نواس وفسقه وعهره وبذوه، ولم يتركوا في هذا الحال مزيدا لمستزيد، وعلى رأسهم ابن حجاج وابن سكرة الشاعران الفاسقان العاهران اللذان ملأا شعرهما قحة وسوء خلق عجيبين. (3) المسكن
تحدثنا في الباب الخاص بالمسكن في الكتاب الأول عن شيء من البيت العربي وطرزه وأوضاعه، ونضيف ها هنا أن حفائر مدينة سامراء قد كشفت لنا، كما يحدثنا الأستاذان الأثريان «ساره»، و«هرتسفيلد» عن طريقة بناء المسكن العربي في القرن الثالث حيث يقول: «كانت الدور بسامراء تبنى على مثال واحد يصل بينها وبين الشارع أو الدرب دهليز مسقوف يفضي إلى صحن واسع قائم الزوايا، يبلغ عرضه ثلثي طوله في العادة، ويتصل له من جانب العرض القاعة الكبرى وصورتها هكذا ( ) وفي أركانها غرف صغيرة، ويحيط بالصحن أيضا غرف متجاورات مربعة للسكنى والحدائق المنزلية، وفي معظم الدور أقنية صغرى ثانوية، تشتمل على أماكن للمرافق المنزلية أيضا، ولا تخلو الدور قط من حمامات ومجار تحت الأرض، وكثيرا ما يكون فيها آبار وتشتمل أحيانا على صحون ذات طارمات وعلى سراديب للسكنى مهيأة بوسائل التهوية، والدور كلها من طابق واحد، وإذا كانت الأرض المحيطة بها غير مستوية اتخذ منها أصحاب الدور مسطحات مرتفعة بمهارة، وقد تبلغ الغرف في الدار الواحدة «60» غرفة، وبها شبابيك تقفل بألواح من الزجاج المتنوع الألوان، ويتراوح عرض اللوح بين «20» و«50» سنتمترا، وهكذا كانت قصور الخلافة إلا أنها أوسع وأضخم وأفخم.» ويقول الإصطخري (ص83) نقلا عن رجل زار دار الخلافة عامرها وغامرها حوالي أواخر القرن الرابع، فقال: «إنها مثل مدينة شيراز، وكانت زخارف هذه القصور فائقة حد الوصف من رياض وأشجار زينة وأزهار وفرش وتحف، ومن أروع هذه التحف ما كان في قصر المقتدر من تحف أجلها الشجرة الفضية التي كان وزنها خمسمائة ألف درهم، وهي تقوم وسط بركة مدورة صافية الماء، وللشجرة ثمانية عشر غصنا، لكل غصن شاحنات كثيرة عليها الطيور والعصافير من كل نوع مذهبة ومفضضة، وأكثر قضبان الشجرة فضة وبعضها مذهب وهي تتمايل في أوقات لها، وللشجرة ورق مختلف الألوان يتحرك كما تحرك الريح ورق الشجر، وكل من هذه الطيور يصفر ويهدر، وقد أدخل الخليفة رسل الروم إلى هذه الدار، فكان تعجبهم منها أكثر من تعجبهم من جميع ما شاهدوه.»