تولى أمور الخلافة في عهده توزون الديلمي، وتولى الوزارة سلمان بن الحسن مدة أربعة أشهر، ثم عزله وولاها أحمد بن محمد بن ميمون، وكان ضعيفا ليس له من الأمر شيء، ولم يطل عهده حتى قبض عليه واستوزر أبا عبد الله البريدي، وكان بعده أبو إسحاق محمد إبراهيم الإسكافي القراريطي، فلم يبق أكثر من أربعين يوما، صرفه توزون بعدها، ثم أعاد البريدي ثانية، فلم يطل عهده لفساد سيرته، وفيه يقول أبو الفرج الأصبهاني قصيدته ومنها:
يا سماء اسقطي ويا أرض ميدي
قد تولى الوزارة ابن البريدي
ولما خلع تولاها أحمد بن عبيد الله الأصفهاني، ولم يمكث أكثر من خمسين يوما، وكان ضعيفا أحمق جاهلا، فعزل وتولاها علي بن أبي علي بن مقلة، ولم يطل عهده حتى عزل. (4) عهد المستكفي
أول وزرائه السامري أبو الفرج محمد بن علي، لم تطل أيامه حتى قبض عليه، وفي أيامه اضطربت أمور الخلافة كثيرا، وملك البويهيون، وصارت الوزارة لهم، وحل محل الوزير «كاتب» عينه الخليفة الذي لم يبق له من الأمر شيء، على ما بينا سابقا. (5) عهد المطيع
الطائع، والقادر، والمقتدر، والقائم «لم يستوزروا أحدا».
الفصل الخامس
| وضع الجيش في هذا العهد
سيطر الجيش في هذا العهد سيطرة بارزة؛ فبعد قتل المقتدر كان في الجيش قائدان، هما مؤنس المظفر القائد العام، ومحمد بن ياقوت صاحب الشرطة والحسبة، وكان بين الرجلين تنافس، فاضطربت أمور الدولة وأعلن مؤنس عصيانه واستولى على الموصل واستقل بها، وأراد الانقضاض على بغداد، فرده محمد بن ياقوت، ثم عظم أمر مؤنس وكان شريرا، فأفسد البلاد، ودامت الفتن بينه وبين محمد بن ياقوت مدة طويلة.
وبرز اسم قائد ثالث هو محمد بن رائق، وكان داهية بارعا، فاستطاع أن يسير دفة السياسة في البلاد، ويصرف الأمور حتى تولى إمرة الأمراء، إلى أن استولى معز الدولة البويهي على بغداد في عهد المستكفي فانحل أمر الجيش العباسي، ومنحه الخليفة آلات السلطنة، ورد إليه إمارة الأمراء، ولم يبق منذ ذلك الحين شأن يذكر للجيش العباسي؛ فقد سيطرت الدولة البويهية، وتسلط جيشها، وانحل الجيش العباسي ما عدا الحرس القليل الذي أبقي إلى جانب الخليفة، أما من كانوا فيه من العرب فقد رجعوا إلى قبائلهم في ديار الشام والعراق، وأما غير العرب فقد تفرقوا في البلاد يعيثون فيها فسادا، ويعملون على الاستقلال ببعض المناطق.
الفصل السادس
| الوضع العلمي والثقافي في هذا العهد
توزع النشاط العلمي الذي كان متحضرا في بغداد إلى العواصم التي اتخذتها الدول المستقلة مستقرا لها؛ ففي عهد البويهيين قوي النشاط العلمي في إيران ولم تحرم بغداد من عناية عضد الدولة، وفي عهد بني حمدان نبغ اسم حلب كما رأينا، وفي عهد الغزنوية برزت غزنة وبخارى في ميادين العلم، وقد بينا ذلك مفصلا فيما سبق.
الفصل السابع
| في الوضع الاجتماعي
(1) السكان
برز بين سكان الإمبراطورية الإسلامية في هذا العصر، عنصر جديد هو عنصر الأتراك، وقد كان لهذا العنصر أثر كبير في حياة الأمة الإسلامية وتاريخها، وكان مبدأ ظهور هذا العنصر على مسرح الحياة العباسية منذ زمن المعتصم؛ فقد استقدم في سنة 220 قوما من بخارى وسمرقند وأشروسنة وغيرها من بلاد ما وراء النهر فألبسهم ثياب الديباج ومناطق الذهب وسلطهم، وأخذ يزيد عددهم حتى صاروا ثمانية عشر ألفا،
1
فاضطر أن يخرج بهم عن بغداد، حتى أكثر الناس من التهجم عليهم وعليه، قال دعبل يخاطب المعتصم في ذلك:
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم
وصيف وأشناس وقد عظم الخطب
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها
مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة
فأنت له أم وأنت له أب
وأخذ الناس يضعون الأحاديث على لسان النبي وصحابته في ذم «ليكونن الملك في ولدي حتى يغلب على عزهم الحمر الوجوه الذين كأن وجوههم المجان المطرقة.»