تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 432ه اختلف مسعود وأخوه محمد فاقتتلا وخلع مسعود واستولى محمد، ثم إن مودود بن مسعود ثار وقتل عمه محمدا، واستمر أمراء هذه الأسرة يتنازعون الملك بينهم حتى انقسمت دولتهم إلى إمارات وضاعت هيبة الغزنوية التي أوجدها سبكتكين وابنه محمود، فتسلط عليهم الأجانب، مثل خانات التركستان، وسلاجقة فارس، واستطاع الفوريون أصحاب أفغانستان أن يصوبوا للدولة ضربة مسددة، أتت عليها في سنة 582ه/1186م، ومات آخر الغزنويين، في لاهور.

ومما يجب أن نذكره، أن ظهور هذه الدولة كان أول نصر للعنصر التركي على العنصر الإيراني في ميدان زعامة العالم الإسلامي.

والحق أن هذه الدولة لا تختلف عن الدولتين؛ السامانية والصفارية من حيث أساليب الحكم التي لا تعتمد إلا على القوة، حتى إذا ما زالت القوة دب الضعف في جسم الدولة، وهذا ما جرى على الدولة الغزنوية؛ فإنها حين ضعفت أمام السلاجقة أخذت تنهار حتى سقطت. (3-1) العلم في عهد الغزنويين

كان محمود بن سبكتكين وأبوه يحبان العلم وأهله، حتى عدت «غزنة» في أيام محمود كعبة طلاب العلم والحكمة في العالم الإسلامي، وقد أسس محمود فيها معهدا علميا راقيا، وقف عليه جليل الأوقاف، كما جعل بلاطه موئل العلماء والحكماء والفلاسفة والشعراء، نذكر منهم المؤرخ العربي «العتبي» الذي ألف لمحمود تاريخا جليلا امتدح به محمودا، وسجل عهده.

ومن رجال محمود، المؤرخ الفيلسوف العالم الجليل أبو الريحان محمد البيروني الذي قام بعدة رحلات علمية في الديار الهندية، وكان يعرف السنسكريتية، فاستطاع أن يعرف كثيرا من مغاليق الثقافة الهندية، التي سجلها لنا في كتابيه القيمين؛ «تحقيق ما للهند من مقولة» و«الآثار الباقية عن القرون الخالية».

وكان محمود تركيا سنيا؛ فلذلك رعى الأدب العربي وعني به أكثر من عنايته بالأدب الفارسي، كما أنه وقف وقفة قوية أمام حركات الإسماعيلية والباطنية على العموم.

ومن الرجال الذين رعاهم السلطان محمود، الشاعر الفردوسي الطوسي، الذي نظم له ملحمة الشاهنامة الكبرى، وقدمها إلى سلطان البلاد محمود بعد أن مجده كثيرا في مواطن عديدة منها.

الفصل الرابع

| الوضع الوزاري والإداري في عصر الانحلال الثاني

ساء الوضع الإداري والوزاري في المملكة الإسلامية إبان هذا العهد سوءا ظاهرا فاضحا؛ فقد كان الخلفاء ضعافا كما رأينا، وكان السلاطين والمتغلبون يتحكمون بأهوائهم، وقلما نجد سلطانا عاقلا عادلا، سواء في الأسر التي حكمت استقلالا عن العاصمة أو في العاصمة نفسها، وبذلك لقي الناس عنتا ما بعده عنت، ففسدت الأمور وساءت أحوال البلاد. ونريد ها هنا أن نعرض للوزراء البارزين في هذه الفترة؛ أي منذ زمن الخليفة القاهر إلى زمن الخليفة القائم. (1) عهد القاهر

استوزر القاهر أول الأمر محمد بن علي بن مقلة الكاتب الخطاط المشهور، وكان عالما مدبرا إلا أنه كان طماعا استغل نفوذه كثيرا، وتدخل في شئون الدولة تدخلا معيبا طمعا في المال، ولكن على الرغم من ذلك، فإنه كان من الوزراء الأكفاء؛ فقد اضطربت أحوال الوزارة بعده في عهد القاهر، فقد كان أحمق سخيفا، محبا للمال. ولما عزل ابن مقلة، استوزر محمد بن القاسم بن عبد الله بن سليمان بن وهب، ولم يبقه إلا قليلا، ثم قبض عليه ونكبه، ولم يطل عهده بعده كثيرا. (2) عهد الراضي

أعيد ابن مقلة إلى الوزارة للمرة الثالثة، وقد بذل خمسمائة ألف دينار حتى استوزره طمعا في أن يجمع ضعفها، ولكنه لم يلبث أن شغب عليه الجند فعزله، واستوزر عبد الرحمن بن عيسى بن داود الحراج، واختلت الأمور في أيامه فاستعفى من الوزارة، فقبض عليه، ثم استوزر أبا جعفر محمد بن القاسم الكرخي، وفي عهده ازداد الأمر فسادا واضطربت الأحوال، فاختفى، ثم اكتشف أمره، وصودر، وخلفه في الوزارة سليمان بن الحسن بن مخلد، فلم يستطع أن يفعل شيئا لتغلب الجند، واضطر الخليفة أن يستميل ابن رائق أكبر الأمراء فسماه أمير الأمراء وكلفه تدبير المملكة وإدارتها، فكان يجلس فوق الوزير يولي ويعزل ويتصرف، وليس للوزير إلا الاسم، قال ابن طباطبا (في الفخري، ص248): «لم يبق للوزير - في ذلك العهد - سوى الاسم من غير حكم ولا تدبير، ومن تلك الأيام اضطهدت الخلافة العباسية وخرجت الأمور منها، واستولى الأعاجم والأمراء وأرباب السيوف على الدولة، وجبوا الأموال وكفوا يد الخليفة، وقرروا له شيئا يسيرا وبلغة قاصرة.» وقد أشار ابن رائق أن يعزل سلمان بن الحسن ويوليه أبا الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات ظنا منه أن يجتذب له الأموال، وكان ابن الفرات رجلا متهورا كما يقول ابن طباطبا (ص249) ثم عزله الراضي وولاها سلمان بن الحسن مرة ثانية إلى آخر عهده. (3) عهد المتقي

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ٣٨