تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونخلص من هاتين الروايتين إلى أن الأهوازي قد استطاع أن ينشر دعوته في الكوفة وسوادها، وأنه عند وفاته أو سفره عهد بالأمر إلى حمدان الملقب بقرمط.

ويصف دي ساسي حمدان هذا بأنه كان رجلا ذا طموح وقريحة خصبة، وأنه قام بالدعوة بهمة وحماسة شديدة، وأنه كان لحركة الزنج من التخريب والفوضى والبؤس أثر كبير في نجاح دعوة قرمط، ويذكر الطبري (في التاريخ 1: 338) أن حمدان قد أراد التحالف مع صاحب الزنج حين قام بحركته، ولكن ذلك لم يتم بينهما، وقد اتخذ حمدان منطقة «كلواذي» مقرا لدعوته لتكون بين العاصمة بغداد من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وقد دخل في دعوة حمدان كثير من الأنباط السواديين، كما دخلها بعض الأعراب الذين خدعوا بالدعوة وظنوها دعوة علوية خالصة، وقد وفق حمدان إلى معاونين نشطاء أذكياء ساعدوه كثيرا على نشر دعوته، ومن أجلهم خطرا قريبه «الفقيه عبدان»

29

الذي ألف كتبا فقهية للحركة، وأبو سعيد الجنابي، الذي عهد إليه بالإشراف على الحركة في إيران، وقد نجح أبو سعيد في نشر فكرته وخصوصا حين ضرب على وتر أن الله قد كسر العرب؛ لأنهم قتلوا الحسين، وأحب الأكاسرة لأنهم طالبوا بحقوق الحسين، ولما وفق في نشر الدعوة في إيران وجهه عبدان إلى منطقة أخرى لنشر الدعوة، فذهب إلى البحرين ونجح نجاحا كبيرا كما سنرى ذلك.

وقد كان حمدان عاقلا حصيفا منظما، فوضع الأسس المنظمة للدعوة، وبخاصة التراتيب المالية، وقد ابتدأ سنة 277ه بأخذ ضريبة قليلة أول الأمر، سماها «ضريبة الفطر» على الرجال والنساء والأطفال، ثم ثنى بوضع ضريبة سماها ضريبة «الهجرة» وهي دينار على كل بالغ لإنشاء «دار الهجرة» التي ابتناها بجوار الكوفة،

30

ثم ثلث بوضع ضريبة سماها ضريبة «البلغة» وقدرها سبعة دنانير يدفعها كل من أراد الاشتراك في عشاء المحبة.

وقد عظم عدد أتباعه، وكان أكثرهم من الأنباط، الفلاحين والصناع والبدو الأعراب، ولما قوي سلطانهم أخذ يبث فيهم روح الثورة على مخالفيهم في العقيدة وقتل من لا يقبلها، وقد أباح المحرمات لأتباعه وأسقط عنهم الفروض الشرعية، ودفع بهم إلى الانطلاق والثورة، واستطاع بالمبادئ الاشتراكية في المال أن يسيطر على قلوبهم. ولم تكن تلك الحركة حركة سلمية، بل كانت تدعو إلى الثورة وحمل السلاح في وجه الدولة، ويظهر أن أول حملة مسلحة قاموا بها كانت في سنة 284ه وقد أحست بغداد بخطورة الحركة وقوتها، فبعث الخليفة إليها من يقف في وجهها ولكنه لم ينجح؛ لأن بغداد نفسها كانت تحتوي عددا كبيرا من أنصار الحركة ومؤيديها.

31

وفي سنة 287 قاموا بحركة قوية مسلحة في جنبلا بين واسط والكوفة، ويذكر الطبري أنهم: قتلوا من المسلمين جمعا فيهم النساء والصبيان وأحرقوا المنازل،

32

وفي السنة نفسها هاجم الحنابي البصرة، فأرسل الخليفة المعتضد جيشا بقيادة العباس بن عمرو الغنوي فتغلب عليه الجنابي وأسره وفتك بجنده، ثم سار إلى هجر، وفي سنة 288ه ثاروا في الكوفة، وتمكن جيش الخليفة من أسر أحد رؤسائهم وهو المدعو بأبي الفوارس وقتله، وقد حفظ لنا ابن الأثير محاورة جرت بين أبي الفوارس هذا وبين الخليفة المعتضد، قال له المعتضد: هل تزعمون أن روح الله تعالى وأرواح أنبيائه تحل في أجسادكم، فتعصمكم من الزلل وتوفقكم لصالح العمل؟ فقال للخليفة: يا هذا، إن حلت روح الله فينا فما يضرك، وإن حلت روح إبليس فما ينفعك، فلا تسأل عما لا يعنيك وسل عما يخصك. فقال له الخليفة: ما تقول فيما يخصني؟ قال: أقول إن رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مات، وأبوكم العباس حي، فهل طالب بالخلافة أم هل بايعه أحد من الصحابة على ذلك؟ ثم مات أبو بكر فاستخلف عمر وهو يرى موضع العباس ولم يوص إليه، ثم مات عمر وجعلها شورى في ستة أنفس، ولم يوص إليه، ولا أدخله فيهم، فبماذا تستحقون أنتم الخلافة؟ وقد اتفق الصحابة على دفع جدك عنها ... فأمر الخليفة به أن يقتل فورا فقتل،

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس) · الصفحة ١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الانحلال: تاريخ الأمة العربية (الجزء السادس)ص ١٨