6
هذا ما كان عليه الأمر في أيام المماليك، فلما استولى العثمانيون تبدلت الأمور تبدلا كليا، وفقدت مصر استقلالها، وفقد الشام استقلاله، وأضحيا خاضعين للباب العالي في الأستانة؛ يرسل إليهما الولاة، ويتحكمون فيهما على الشكل الذي رأينا في القسم السياسي.
ومن أظهر معالم التغير الذي طرأ بعد الاحتلال العثماني: انقضاء عهد الخلافة العباسية التي أحياها المماليك في القاهرة كما أسلفنا بيانه، فقد قضى العثمانيون الأتراك على الخلافة العباسية في مصر والشام، وتغلبوا عليها، فإن السلطان سليمان خلع آخر الخلفاء العباسيين في القاهرة، ونادى بنفسه سلطانا وخليفة للمسلمين على الرغم من كونه غير عربي، والخلافة إنما هي في قريش، ووجد من رجال الدين من زور له نسبا قرشيا عربيا، وقد قسم السلطان سليم السلطة في مصر إلى ثلاثة أقسام:
أولاها:
سلطة الباشا، وهو الوالي المرسل من قبله.
وثانيتها:
سلطة الوجاقات - أي الفرق العسكرية - وهي مؤلفة من الأجناد والعساكر العثمانية التي تقيم في مصر وسائر القطر، وهي ستة وجاقات وهي: (1) وجاق المتفرقة للمراسم وهم نخبة من حرس السلطان. (2) وجاق الجاويشية لجمع الخراج والضرائب. (3) وجاق الهجانة. (4) وجاق التفكجية وهم أرباب البنادق المحاربون. (5) وجاق «الانكشارية» وهم عامة الأجناد الأخلاط. (6) وجاق العرب وهم الأجناد العرب من سكان البلاد، وعلى كل وجاق «آغة» و«كيخية» و«دفتردار» و«خزندار» و«رزنامجي»، ومن رؤساء الوجاقات يتألف مجلس شورى الباشا.
وثالثتها:
سلطة المماليك الذين استبقاهم السلطان سليم من بقايا المماليك السابقين حفظا للتوازن بين الباشا والوجاقات، وقد قسم السلطان سليم الديار المصرية إلى اثنتي عشر «سنجقلية»، يحكم كل واحدة منها سنجق من المماليك يسميه الديوان - أي مجلس شورى الباشا التركي.
وقد نتج عن هذا التقسيم الإداري الجديد أن اضطربت البلاد وقاست ويلات، ولكن الباب العالي أصر على تنفيذه فنفذ، وبذلك استطاع الأتراك السيطرة على البلاد وحكمها حكما مباشرا.
أما أرباب الإقطاعات القديمة: فقد ظلوا في الشام ومصر بعد الفتح العثماني على الحالة التي كانوا عليها من قبل في أيام المماليك، وقد ظهرت في أيام الأتراك العثمانيين في كلا القطرين أسر حكمت بعض المقاطعات حكما استقلاليا، مثل أسرة «الشهابي» و«المعني» و«الحرفوش» وغيرهم، وكان زعماء هذه الأسر يجمعون الأموال من الأهلين، ويقدمون بعضها إلى الوالي التركي، وبعضها إلى الباب العالي، ويحتفظون لأنفسهم بحصة الأسد، وكثيرا ما كان يغضب الوالي التركي على أحد أصحاب الإقطاعات فيبعث إلى فرقة من «الانكشارية» أو الأجناد «القبوقول» فيحرقون داره، ويسبون أهله، ويقطعون الشجر في بلاده حتى يخضع للوالي.
ومما هو جدير بالذكر في العهد العثماني أن كثيرا من الولاة والحكام كانوا يشترون مناصبهم بالمال، وربما نالوها بالمزايدة، وينقل الأستاذ كرد علي عن تقرير لأحد القناصل البندقيين أن منصب الوالي كان في الأستانة يكلف من «80 إلى 100» ألف دوكا، ومنصب الدفتردار كان يباع ب «40 أو 50» ألف دوكا، ومنصب القاضي كان يساوي أقل من هذه القيم، وكلهم إذا جاءوا البلد الذي عينوا له كانوا يسلبون النعمة ويعرقون اللحم، ويكسرون العظم،
7
وكان من الطبيعي أن هذا الوالي أو الدفتردار أو القاضي الذي وصل إلى منصبه بالمزايدة أو الشراء، يعمل على استرداد مبلغه من الأهلين، ويهلك حرثهم ونسلهم، ويسلب قوتهم، وقد ساعد هؤلاء الموظفين المرتشين بعدهم عن دار السلطنة - إستانبول - من جهة، وتعامي السلطان وأهل الحل والعقد في العاصمة عن سماع أصوات المتظلمين من جهة ثانية، قال المرحوم كرد علي نقلا عن المؤرخ التركي جودت: إن الدولة العلية لما انتقلت من دور البداوة إلى الحضارة لم يتخذ رجالها الأسباب اللازمة لهذا الانتقال، وحصروا أوقاتهم في حظوظ أنفسهم وشهواتهم، يقيمون في العاصمة القصور الفخمة، ويفرشونها بأنواع الأثاث والرياش مما لا يتناسب مع رواتبهم، فاضطروا إلى الارتشاء وبيع المناصب بالمال وتلزيم البلاد وأقطاعها بالأثمان الفاحشة، فضاق ذرع الأهلين، واضطر كثير من أهل الذمة أن يهجروا الأرض العثمانية إلى البلاد الخارجية، وترك غيرهم القرى وجاء إلى الأستانة فرارا من الظلم، فلم يبق مكان في الأستانة، وتلاصقت الدور وتضايقت أنفاس الناس وكثر الحريق والأوبئة،